المناطق الاقتصادية الحدودية: هل تكون الحدود اللبنانية – السورية جسرًا للتنمية أم جدارًا للعجز؟ (الجزء الثالث والأخير)

بعد أن عرّفنا في (الجزء الأول) مفهوم المناطق الاقتصادية الحدودية (SBEZ)  وأبعادها المتعددة – الاقتصادية والاجتماعية والمؤسسية والقانونية – وما تحمله من وعودٍ تنموية وفرص للتكامل، مقابل ما يحيط بها من تحديات وحساسيّات، انتقلنا في (الجزء الثاني) إلى عرض تجارب آسيوية سبّاقة اعتُبرت نماذجاً لكيفية تحويل  المناطق الحدودية إلى محرّك نمو ورافعة للتعاون الإقليمي. أما في هذا الجزء الثالث والأخير، فسوف نسلّط الضوء على التجارب الخليجية، قبل أن نعود إلى النموذج اللبناني – السوري الذي يشكّل بيت القصيد، حيث يَطرح مشروع المنطقة الاقتصادية المشتركة على الحدود بين البلدين أسئلة دقيقة عن جدوى التجربة : هل ستكون رافعة اقتصادية وتنموية حقيقية؟ أم أنها ستقع فريسة التجاذبات السياسية والانقسامات البنيوية؟

ففي زمنٍ بات فيه التكامل الاقتصادي العابر للحدود رافعة أساسية للنموّ المستدام، تتسابق الدول إلى ابتكار صيغٍ جديدة للشراكات الإقليمية، مستفيدة من مزايا الجغرافيا وروابط التاريخ والمصالح المتبادلة. ومن آسيا إلى الخليج، تكشف التجارب أن المناطق الاقتصادية المشتركة لم تعُد مجرّد مشاريع استثمارية محلية، بل أضحت منصّات للتكامل الاستراتيجي، وجسورًا تُعيد رسم خرائط التجارة والتنمية.

فمن نموذج الإمارات – عُمان في مشروع “الروضة”، الذي يجسّد التقاء الرؤى الوطنية الكبرى “رؤية عُمان 2040” وأجندة دبي “D 33” على أرضية تكاملية واعدة، وصولًا إلى الحدود اللبنانية -السورية، حيث تتزاحم التحدّيات بقدر ما تتوافر الفرص، يظلّ السؤال مفتوحًا: هل تتحوّل الحدود إلى منصّات تعاون تُبنى عليها قصص نجاح اقتصادية، أم تبقى رهينة الاصطفافات السياسية والتجاذبات العقيمة؟

التكامل الاقتصادي الاماراتي – العُماني … “ثنائية مُلهمَة” لاستدامة واعدة         

انسجامًا مع رؤية عُمان 2040 وأجندة دبي الاقتصاديةD33، وفي سياق تعزيز التكامل الاقتصادي، والشراكات الاستراتيجية، وجذب الاستثمارات النوعية، وتحقيق تنمية مستدامة، أُطلق في أواخر شهر مايو/أيار 2025، مشروع المنطقة الاقتصادية الخاصة بالروضة بولاية “محضة” بمحافظة البريمي بالقرب من الحدود مع دولة الإمارات العربية المتحدة على مساحة (14) كيلومترا مربعا قابلة للتوسع، وبقيمة استثمارية تتجاوز (2) مليار دولار كمرحلة أولى مستفيدة من ارتباطها بكل من ميناء جبل علي في إمارة دبي وموانئ سلطنة عُمان. وتستهدف المنطقة عدة أنشطة اقتصادية – في مرحلتها الأولى – أبرزها أنشطة الصناعات التحويلية والخدمات اللوجستية والمخازن والصناعات الدوائية والطبية والبلاستيكية والتعدينية والغذائية، وخدمات الأمن والسلامة. وستتمتع الشركات العاملة في المنطقة بالعديد من المزايا، منها رسوم جمركية منخفضة أو معفاة، وتراخيص وتصاريح ميسّرة، وبنية تحتية حديثة، ودعم لوجستي نوعيّ.. ومن المرتقب أن تُسهم المنطقة، بحسب الدراسات والاحصائيات المتخصصة، بتيسير تدفق السلع والخدمات وخلق العديد من فرص العمل وتوفير بيئة استثمارية آمنة وواعدة مما سيُعزز النمو والابتكار المنشودين.

بيت القصيد … الحدود اللبنانية – السورية …”حيث الداء والدواء”..       

لقد شاء القدر أن تُستولَدْ من التجاور اللبناني -السوري الجغرافي موروثات مشتركة، ثابتة لا محال : واجبة الاحترام حُكماً… وصعبة التجاوز حتماً… مما يقتضي التعامل مع منتجاتها الاقتصادية والمجتمعية بخاصة بحنكة وازنة، وعقلانية ثاقبة، وببصيرة استشرافية واعية، تَعي بالأولوية مقتضيات المكان، وخصوصية المجتمعات الطامحة للحياة برغد وهدوء وهناء، مهما علا “صُراخ” “البهلوانيات السياسية المقيتة”، أو بلغ مدى الإنكار في “النزعة الحمائية العليلة “. 

ففي الواقع اللبناني.. استُنفدَ من قاموس لغة الضاد الراقية.. المفردات والعبارات والأوصاف الدالة على الحرمان الممتد على مساحة لبنان منذ ولادته حتى حينه..  لدرجة صُمّت معها “الآذان” … وأضحى “الإنماء المتوازن” “لازمة متلازمة في بيانات وخطط ورؤى السياسات الحكومية المتعاقبة على مدى العهود الماضية.. لا بل أمَسى “الحرمان المتوازن” هو الأصل والترياق الإستراتيجي للتهرب من “لدَغاتِ” المطالبات بالنهوض والإعمار والتنمية.. في لحظات شعبويّة ظرفيّة منغلقة.. ساد معها بلاء النقد “غير البنّاء”، و”العنتريات” الهدّامة للنفوس الطامحة والهمَم ِالفتيّة بمهاراتها الواعدة..

ولأن الحق يعلو ولا يُعلى عليه.. ولأن مصائر الأوطان وأمجادها.. على نحو ما دلّت الشواهد التاريخية منذ الأزمنة الغابرة…. لا تُبنى بكثرة “الكلام” و”البكاء” على الاطلال.. أو بـ “الانبطاح” في مواكب “الولاءات” الظرفيّة.. بل بإمعان الفكر والتبصّر في مسار محتوم للنهوض .. مهما اشتدت القيود.. وانسدت السبل في الآفاق.

فلقد حبا الله لُبنانَنا المتلألئ تاريخاً وشموخاً.. وسوريا المتجذرة حضارةً.. على ضِفَتيْ حدودهما المشتركة بكنوزٍ دفينَة – معلومة مجهولة – يقتضي استكشافها مجددا بدقّة، واستثمارها بحِنْكة، وفق رؤى تكامليّة مشتركة، تكون وليدة سياسات حكومية مشتركة تُعين على الإنماء الحقيقي لا الصوري على جانبي الحدود، من خلال مناطق اقتصادية مشتركة حدوديّة منضبطة الأطر والأحكام.. لا يُقاس نجاحها على المدى الطويل بعدد الشركات أو حجم الاستثمارات فحسب، بل بمدى فعاليّة هذه المشاريع في خلق فرص عمل وازنة، وتحقيق الانماء والنمو المنشودين.. وليُستَلهَمْ من التجارب الآسيوية والخليجية وسواها الدروس والعِبرْ.. علّنا نُعيد وصل ما انقطع في لحظات موجعة …فـ”نلتقي” من بوابات الاقتصاد والاستثمار بعد فراق فرضته اقدار السياسات الدولية المتحكمّة.

وعلى الأرض، يتحوّل الطموح النظري إلى تحدٍ عملي… اذ أن تحديد المواقع الدقيقة للمناطق الاقتصادية المشتركة، وتجهيز البنى التحتية، وربطها بشبكات النقل والخدمات اللوجستية، هي الخطوات الأولى نحو إحداث أثر حقيقي. وهذا يتطلب دراسة دقيقة لموارد المنطقة، وقدراتها البشرية، واحتياجات السكان المحليين، بحيث تُصبح المشاريع محفزًا للتنمية، لا عبئًا إضافيًا على المجتمعات.

كما أن إشراك القطاع الخاص المحلي والدولي بشكل متوازن يُمثل حجر الزاوية لنجاح المشروع. فبدون مشاركة مستثمرين قادرين على إدخال التكنولوجيا الحديثة، وتحسين سلاسل التوريد، وتوفير فرص عمل حقيقية، تبقى المبادرة مجرد بطاقة خطابيّة جميلة على الورق. هنا، يمكن الاستفادة من التجارب الآسيوية والخليجية في آليات جذب الاستثمار، بما يشمل حوافز ضريبية، تسهيلات إدارية، وتأمين بيئة مستقرة للمستثمرين، دون المساس بحقوق السكان المحليين.

ولا يمكن إغفال البعد المجتمعي والثقافي، خصوصًا في المناطق الحدودية اللبنانية – السورية، حيث للتاريخ والجغرافيا أثر مباشر على العلاقات اليومية بين السكان. فنجاح أي منطقة اقتصادية مشتركة يمر عبر حوار مستمر مع المجتمعات المحلية، تدريب كوادر بشرية، وإرساء نظم شفافة لإدارة الموارد والخدمات، ما يضمن عدم الاحتكاك أو الاحتقان المجتمعي، ويُعزز القبول المحلي للمشروع.

وأخيرًا، تظل المتابعة المستمرة والحوكمة الرشيدة أساسًا للاستدامة. هذا يشمل آليات واضحة لتسوية النزاعات، مراقبة الأداء المالي والتنموي، وتقييم النتائج مقابل الأهداف الموضوعة، بحيث يمكن تعديل السياسات والتدخلات في الوقت المناسب.

إن النظر إلى المشروع بهذه النظرة العملية الواقعية يحوّل حدود الداء إلى بوابة للدواء، ويجعل من التجاور اللبناني – السوري فرصة حقيقية لإعادة ربط اقتصادين متكاملين وإشاعة التنمية المستدامة على جانبي الحدود.

وهنا نضيف على ما قاله بحق الكاتب الارجنتيني Borges : ألسنا مع كل وداع نتعلّم!؟ فنسأل من ناحيتنا : أليس في كلّ لقاء نتقدّم!؟  فهل من مجيب؟!!!

حتما.. من المُحال دوام الحال.. ولن يصُحّ إلا الصحيح ولو بعد حين.. والله دوماً وليّ التوفيق..