مُسلّمتان أساسيتان تُستحضران عند مقاربة المستجدات المتسارعة في البيئة الاستثمارية السورية عمومًا، والأحكام المنظمة للمناطق الاقتصادية الخاصة على وجه الخصوص، نظرًا لما يُرتقب أن تُحدثه من آثار تتجاوز الحدود الوطنية، وتمتد انعكاساتها إلى البيئة الاستثمارية الإقليمية في المدى المنظور.
تتمثل أولى تلك المسلمات، في أن البيئة الاستثمارية لأي دولة لا تتشكل بمعزل عن السياق الدولي، بل تتأثر، بدرجات متفاوتة، بتوازنات المصالح الدولية، وبخيارات الفاعلين المؤثرين في النظام الاقتصادي العالمي. فالاستثمار، بطبيعته، يتفاعل مع المعطيات السياسية الدولية ذات الاهواء “المعلومة” للعيان شرقية كانت ام غربية، كما يتأثر بالظروف الاقتصادية العالمية، وبالخصوصيات الوطنية لكل مجتمع، بما في ذلك بنيته الاجتماعية والثقافية، ومستوى استقراره المؤسسي، وقدرته على توفير بيئة قانونية وتنظيمية موثوقة. ومن ثم، فإن تطور البيئة الاستثمارية لا يُفهم فقط في ضوء النصوص التشريعية، بل أيضًا في إطار التفاعلات الأوسع التي تحكم حركة رأس المال والاستثمار على المستوى الدولي.
أما المسلّمة الثانية، فتتمثل في أن التحوّلات الاقتصادية التي تشهدها الدول، سواء نشأت عن مبادرات وطنية، أو جاءت في سياق تفاعلات خارجية، تُخفي في ثناياها إسقاطات لعبة الامم الدولية، وتعكس غالبا تداخلًا بين الاعتبارات التنموية الداخلية، وبين مقتضيات الانخراط في النظام الاقتصادي العالمي. وفي هذا السياق، قد تُطرح الإصلاحات الاقتصادية، في برامج السياسات الحكومية الوطنية – بوصفها أدوات ضرورية لتحفيز الاستثمار وتعزيز النمو، لكنها تبقى، في نهاية المطاف، رهينة لمدى قدرتها على تحقيق التوازن بين متطلبات التنمية الوطنية من جهة، وبين الضغوط والتحديات المرتبطة بالبيئة الاقتصادية الدولية من جهة أخرى.
إنطلاقًا من هاتين المسلّمتين، وإزاء ما نشهد من “عبثيّة مفرطة” في التفكير والتدبير، ومع الأخذ في الاعتبار الروابط الاقتصادية والجغرافية والتاريخية -المُستعصيّة على التشويه – التي تجمع بين سوريا ولبنان مهما بلغت لغة “الاغراءات السياسيّة الدوليّة”، تبرز أهمية متابعة التحوّلات التي يشهدها الإطار القانوني المنظم للاستثمار في سوريا، ولا سيما من خلال نظام المناطق الاقتصادية الخاصة، بموجب القانون رقم (18) لعام 2021، وما تلاه من نصوص، وفي مقدمتها المرسوم رقم (114) بتاريخ 24 حزيران 2025، والقرار رقم (1) الصادر عن المجلس الأعلى للتنمية الاقتصادية بتاريخ 4 تشرين الثاني 2025.
ويُلاحظ، من خلال قراءة أوليّة لهذه الأحكام، أن المشرّع السوري يتجه إلى اعتماد نموذج المناطق الاقتصادية الخاصة كأداة مؤسسيّة تهدف إلى إعادة تنظيم البيئة الاستثمارية، وتوفير أطر قانونيّة وتنظيميّة أكثر مرونة، بما يُسهم في استقطاب الاستثمارات، وتحفيز النشاط الاقتصادي، وتهيئة ظروف أكثر ملاءمة للنمو والإنتاج، والإنتقال “الممنهج” لضفة “هادئة” من الرفاه المجتمعي المنشود. ويعكس هذا التوجه إدراكًا متزايدًا للدور الذي يمكن أن تؤديه هذه المناطق في تعزيز القدرة التنافسية للاقتصاد الوطني، وفتح آفاق جديدة للتكامل الاقتصادي الإقليمي.
في هذا الإطار، تكتسب تطورات المشهدية الاستثمارية السورية أهمية خاصة بالنسبة للبيئة الاستثمارية اللبنانية، نظرًا للتداخل الاقتصادي القائم بين البلدين، ولما يمكن أن يترتب على إعادة تفعيل الاستثمار في سوريا من آثار مباشرة وغير مباشرة على حركة التجارة والاستثمار في المنطقة. ومن ثم، فإن دراسة الإطار القانوني المنظم للمناطق الاقتصادية الخاصة السورية لا تقتصر أهميتها على البعد الوطني السوري، بل تمتد لتشمل البعد الإقليمي، بما في ذلك ما قد تُتيحه هذه المناطق من فرص، أو ما قد تطرحه من تحديات، بالنسبة للفاعلين الاقتصاديين في الدول المجاورة.
وبناءً عليه، نحاول في الجزئين (الثاني) و(الثالث) من هذه الدراسة تسليط الضوء على أبرز الأحكام القانونية والتنظيمية التي تحكم المناطق الاقتصادية الخاصة في سوريا، وتحليل أهدافها وآليات عملها، تمهيدًا لاستخلاص ما يمكن أن تحمله من دلالات وانعكاسات محتملة على البيئة الاستثمارية الإقليمية، وبوجه خاص على البيئة الاستثمارية اللبنانية – “الصابرة” في أروقة الانتظار الدولي – في ضوء متطلبات التكامل الاقتصادي، ومقتضيات التنمية المشتركة.
والله وليّ التوفيق .