المناطق الاقتصادية والمناطق الحرة في دولة الإمارات:بيئة محفزة وقيادة إقليمية في استقطاب الاستثمارات

تُعد دولة الإمارات العربية المتحدة من أبرز الدول الرائدة في مجال تطوير المناطق الاقتصادية الخاصة والمناطق الحرة، إذ تحتضن أكثر من خمسين منطقة حرة موزّعة على مختلف إمارات الدولة. وقد أصبحت هذه المناطق ركيزة أساسية في منظومة الاقتصاد الوطني، وأداة فعّالة لتنويع مصادر الدخل، وجذب الاستثمارات الأجنبية المباشرة، وتحفيز الابتكار وريادة الأعمال. من بين هذه المناطق، برزت تجارب ناجحة على المستوى الإقليمي والعالمي مثل مركز دبي المالي العالمي1، وسوق أبو ظبي العالمي2، ومنطقة دبي للسلع المتعددة3، والمنطقة الحرة لجبل علي4، والمنطقة الحرة بمطار دبي5، التي شكّلت نماذج متقدمة في الحوكمة الاقتصادية وتنويع بيئات الأعمال.

بيئة اقتصادية محفزة للمناطق الاقتصادية

تستند استراتيجية الإمارات في تطوير المناطق الاقتصادية إلى رؤية وطنية تهدف إلى جعل الدولة مركزاً عالمياً للتجارة والخدمات والاستثمار. وقد وفرت الحكومة الإماراتية إطاراً تشريعياً وتنظيمياً مرناً يتيح تأسيس الشركات بسهولة، ويضمن حماية حقوق المستثمرين، ويوفّر بيئة ضريبية جاذبة تتسم بالإعفاءات الجمركية وضريبة الشركات المنخفضة أو المعدومة في كثير من المناطق. من أبرز التحديثات التشريعية التي عززت جاذبية الدولة للمستثمرين ورواد الأعمال:

  • تحديث قانون الشركات6 الذي أتاح تملّك الأجانب بنسبة 100% في معظم الأنشطة الاقتصادية، بالإضافة إلى الأنشطة الممارسة داخل الدولة (mainland).
  • النظام الضريبي، المحدّث باستمرار، من أحدث التشريعات الضريبية قانون ضريبة الأعمال 7(Corporate Tax)، الذي وضع نظاماً ضريبياً تنافسياً بمعدل منخفض (9%) مع إعفاءات خاصة للمناطق الحرة.
  • التحول الرقمي من خلال قانون المعاملات الالكترونية وخدمات الثقة 8المحدّث، الذي يدعم ويسهل أطر التحول الرقمي في تأسيس الشركات والتعاملات التجارية.
  • التنمية المستمرّة للمناطق الاقتصادية من خلال تحديث تنظيماتها وتشريعاتها وتوحيد معاييرها وتنظيم علاقاتها مع المناطق الاقتصادية الأخرى في الدولة وعلاقاتها مع الجهات الاتحادية والشركات المنشأة داخل الدولة.

كما شجّعت الدولة على أن تتبنّى المناطق اقتصادية مبادرات وحزم أعمال متخصصة، بعضها يركّز على الصناعات التحويلية والطاقة المتجددة، وأخرى تستهدف قطاعات المستقبل مثل الذكاء الاصطناعي والتكنولوجيا المالية (FinTech)، مما يجعل البيئة الإماراتية منصة مثالية لاحتضان الابتكار والاستثمار الذكي.

التوأمة القانونية: الدمج بين القانون المدني والقانون العام

من أبرز عناصر تميّز التجربة الإماراتية في المناطق الاقتصادية هو النموذج القانوني المزدوج الذي يجمع بين النظام القانوني المدني (Civil Law) المطبق في الدولة الاتحادية، والنظام الأنجلوساكسوني (Common Law) المطبق في بعض المناطق الحرة مثل مركز دبي المالي العالمي (DIFC) وسوق أبو ظبي العالمي (ADGM).

تكمن أهمية هذه التوأمة في أنها أوجدت محاكم مستقلة داخل هاتين المنطقتين تعمل وفق قواعد وإجراءات مستمدة من القانون العام الإنجليزي، وتضم قضاة دوليين متخصصين. وقد منح هذا الإطار القانوني المستثمرين حرية اختيار القانون الواجب التطبيق على تعاملاتهم وعقودهم التجارية، بما يتناسب مع خلفيتهم القانونية وثقافتهم التجارية، إذ قد يفضّل بعض المستثمرين النظام الأنجلوساكسوني القائم على السوابق القضائية والعقود المرنة، بينما يفضّل آخرون النظام المدني الأكثر تقنيناً وتنظيماً.

هذه المرونة القانونية عززت ثقة المستثمرين الأجانب، ورفعت من تصنيف الإمارات كمركز مالي وقانوني رائد في الشرق الأوسط.

وسائل حل النزاعات والتحكيم

تعتمد المناطق الاقتصادية في الإمارات على أنظمة متطورة لحل النزاعات التجارية. ففي DIFC وADGM، أُنشئت محاكم مالية مستقلة تتمتع باختصاص قضائي خاص وتضم قضاة دوليين مرموقين، بينما توفر المناطق الأخرى مراكز تحكيم متخصصة مثل مركز التحكيم التابع لـ DMCC ومركز جافزا للتحكيم التجاري.

هذه الآليات تسهم في تعزيز بيئة الأعمال عبر توفير حلول سريعة ومحايدة للنزاعات، وهو ما يشكل عاملاً محورياً في استقطاب الاستثمارات الأجنبية طويلة الأمد.

المناطق الاقتصادية الجديدة والذكية

تشهد الإمارات خلال السنوات الأخيرة إطلاق مناطق اقتصادية جديدة تُواكب التحول الرقمي والاقتصاد المعرفي، مثل مدينة محمد بن راشد للتكنولوجيا المتقدمة، ومنطقة الفجيرة الإبداعية، ومنطقة “كيزاد” 9 الصناعية في أبو ظبي. وتتبنى هذه المناطق مفاهيم المدن الذكية والمناطق الاقتصادية الذكية التي تعتمد على الحلول الرقمية المتكاملة في الإدارة والتشغيل، مما يعزز من كفاءة الأنشطة الاقتصادية والاستدامة البيئية.

إلا أن دولة الامارات تتبنّى، منذ سنوات، استراتيجية هادفة نحو دمج التطور التكنولوجي والذكاء الاصطناعي، كأسس يقوم عليها المجتمع الاقتصادي الاماراتي. هذا ما يدفع المناطق الاقتصادية أو المناطق الحرة المنشأة قبل تطور الذكاء الاصطناعي، إلى تبنّي طروحات ومبادرات تدور في فكله. نذكر بعضًا من الأمثلة الملموسة والمنشأة في الدولة:

  • مدينة مصدر في أبو ظبي 10: أطلقت حزمة ترخيص مُخصّصة للشركات العاملة في الذكاء الاصطناعي بالتعاون مع جامعة محمد بن زايد للذكاء الاصطناعي مع تخفيضات للطلبة وأعضاء الجامعة خلال أول سنتين.
  • منطقة عجمان الحرة 11 : أطلقت في العام 2021 مركزًا للخدمات الرقمية للشركات، يدعم الشركات الناشئة والمؤسسات الأكاديمية في تطوير حلول الذكاء الاصطناعي.
  • مركز دبي المالي العالمي: أطلق رخصة “الذكاء الاصطناعي” داخل مركز الابتكار (Innovation Hub) لتشجيع الشركات العاملة في الذكاء الاصطناعي على الاستثمار في المنطقة، مع تسهيلات مثل التأشيرات الذهبية للموظّفين.
  • مشروع “ستارغيت الامارات” 12 في أبو ظبي: يُعد استثماراً ضخماً لإنشاء حرم ذكاء اصطناعي ومنشآت بيانات بالحوسبة العالية، بالتعاون مع كبرى شركات التقنية، ليُشكّل نقطة جذب عالمية للذكاء الاصطناعي.

المناطق الاقتصادية الرائدة في الإمارات

سبق أو ذكرنا آنفًا بأنّ دولة الإمارات العربية المتحدة تتضمّن أكثر من خمسين منطقة اقتصادية ومنطقة حرّة موزعة في مختلف الإمارات. إلا المناطق الاقتصادية التالية تمثّل أبرز النماذج الإماراتية الأكثر استقطاباً للأعمال والاستثمارات، لما تتمتع به من بنية تحتية متقدمة، وتشريعات مرنة، وبيئات عمل مبتكرة تجمع بين الكفاءة والقدرة على مواكبة التطورات الاقتصادية العالمية. وتعد هذه المناطق محركات رئيسية للنمو الاقتصادي ومراكز جذب للمستثمرين الإقليميين والدوليين على حد سواء.

مركز دبي المالي العالمي (DIFC) – منصة مالية عالمية تستضيف مؤسسات مصرفية وشركات تكنولوجيا مالية واستثمارية.

سوق أبو ظبي العالمي (ADGM) – مركز مالي يعتمد على القانون الإنجليزي ويوفر بيئة مثالية للتكنولوجيا المالية والاستدامة.

منطقة دبي للسلع المتعددة (DMCC) – أكبر منطقة حرة في العالم من حيث عدد الشركات المسجلة، ومركز عالمي لتجارة الذهب والألماس.

المنطقة الحرة لجبل علي (JAFZA) – من أقدم وأكبر المناطق الصناعية والتجارية في المنطقة، ومحرك رئيسي للتجارة اللوجستية.

المنطقة الحرة بمطار دبي (DAFZA) – تركّز على قطاع الطيران والخدمات اللوجستية والتكنولوجيا الحديثة.

منطقة خليفة الاقتصادية في أبو ظبي (KEZAD) – من أحدث المناطق الصناعية المتكاملة، وتضم قطاعات متنوعة تشمل التصنيع والطاقة والغذاء.

مدينة دبي للإنترنت (DIC) – مركز متخصص في شركات التكنولوجيا، البرمجيات، والذكاء الاصطناعي.

مدينة دبي للإعلام (DMC) – بيئة إبداعية تضم مؤسسات إعلامية وإعلانية عالمية.

منطقة الشارقة للإعلام 13 (SHAMS) – مركز ناشئ لريادة الأعمال والمشروعات الرقمية والإبداعية.

منطقة رأس الخيمة الاقتصادية 14 (RAKEZ) – منطقة متعددة الأنشطة الصناعية والتجارية والخدمية تقدم حلول تأسيس منخفضة التكلفة.

خلاصة القول،

لقد أصبحت المناطق الاقتصادية في دولة الإمارات نموذجاً يُحتذى في العالم العربي، إذ تجمع بين الابتكار المؤسسي، والمرونة التشريعية، والبنية التحتية العالمية، والأنظمة القانونية العصرية. ومع استمرار التوسع في إنشاء مناطق اقتصادية متخصصة وذكية، تترسخ مكانة الإمارات كواحدة من أكثر البيئات جذباً للاستثمار في الشرق الأوسط والعالم، وكوجهة مفضلة للشركات العالمية الباحثة عن بيئة مستقرة ومواتية للنمو.

* عضو مجلس أمناء 

  1. Dubai International Financial Center, DIFC
  2. Abu Dhabi Global Market, ADGM
  3. Dubai Multi Commodities Center, DMCC
  4. Jebel Ali Free Zone Authority, JAFZA
  5. Dubai Airport Free Zone Authority, DAFZA
  6. Federal Decree-Law No. (32) of 2021, Concerning Commercial Companies
  7. Federal Decree-Law No. (47) of 2022, Concerning the Corporate Tax
  8. Federal Decree-Law No. (46) of 2021, Concerning Electronic Transactions and Trust Services
  9. Khalifa Economic Zones Abu Dhabi, KEZAD
  10. Masdar City Free Zone
  11. Ajman Free Zone
  12. Stargate UAE AI Campus
  13. Sharjah Media City, SHAMS
  14. Ras Al Khaimah Economic Zone, RAKEZ