المناطق الاقتصادية الخاصة: فرص النمو الواعد في اقتصاد عالمي راكد.

د. بلال عقل الصنديد

في ظلّ التحولات الدراماتيكية التي يشهدها الاقتصاد العالمي، تعود أهمية المناطق الاقتصادية الخاصة الى الواجهة كفرص واعدة وكأداة استراتيجية بيد الدول لتحفيز النمو، وتنويع الاقتصاد، وجذب الاستثمارات الأجنبية. والحقيقة ان  هذه المناطق لم تعد مجرد تجربة أو مخاطرة ولا مشروع تنموي محدود، بل تحوّلت إلى منصّات متقدمة لإعادة تشكيل العلاقات الاقتصادية على المستويين الوطني والعالمي. تُعرّف المنطقة الاقتصادية الخاصة (SEZ) بأنها مساحة جغرافية تُمنح فيها المشاريع امتيازات قانونية وضريبية وتجارية تختلف عن القوانين العامة للدولة، بهدف تعزيز الأنشطة الاقتصادية، وزيادة الصادرات، وتوفير فرص العمل. وقد تشمل هذه المناطق أنواعًا متعددة مثل: المناطق الحرة، المناطق الصناعية، ومناطق التكنولوجيا المتقدمة.

تستند هذه المناطق إلى مقاربة قانونية وتنظيمية تميّزها عن باقي الإقليم الوطني، حيث تُمنح فيها الشركات تسهيلات ضريبية وتنظيمية وبنى تحتية متخصصة، ضمن إطار تشريعي مرن ومستقل نسبياً.

القيمة القانونية الأساسية لهذه المناطق تتمثل في التمييز بين الإعفاء والتنظيم المستقل: فبينما تُعطى بعض المناطق حوافز استثنائية ضمن الإطار القانوني الوطني، فإنّ مناطق أخرى تخضع لقوانين خاصة تُسنّ وتُنفّذ حصريًا داخل نطاقها. هذا الاستقلال القانوني قد يخلق بيئة أكثر مرونة، لكنه بالمقابل يتطلب دقة عالية في التنسيق مع النظام القانوني والقضائي العام للدولة.

وفق تقارير الاستثمار العالمي الصادرة عن منظمة الأونكتاد  (UNCTAD)، عامي 2019 و2023، بلغ عدد المناطق الاقتصادية والخاصة في العالم أكثر من 7,000 منطقة منتشرة في أكثر من 140 دولة، مقارنة بـ 500 منطقة فقط عام 1990.

وهذا ما يؤكد على انتشار هذا النوع من التجارب الاقتصادية التي اثبتت جدواها في بعض الحالات مقابل تحديات واخفاقات في أخرى.

يركز المتمسكون بجدوى هذه المناطق على ما أسهمت به وحققته من ارقام، حيث تشير التقارير والاحصائيات الى مساهمتها بتحقيق 30% من صادرات الدول النامية، مع تأمين ما يفوق 70 مليون وظيفة مباشرة، اضافة الى تحقيقها لـ 22% من الناتج المحلي الإجمالي في بعض الدول الصناعية الناشئة.

تُعد الصين رائدة عالميًا في هذا المجال، إذ بدأت بمناطق تجريبية مثل شينزين Shenzhen في أوائل الثمانينات، حيث تحوّلت تدريجياً من قرية صغيرة إلى مدينة صناعية عملاقة تضم أكثر من 17 مليون نسمة.

 تشير البيانات إلى أن المناطق الاقتصادية الصينية تُسهم بـ 22% من الناتج المحلي الإجمالي، وتستقطب 45% من الاستثمارات الأجنبية المباشرة، وتُنتج 60% من صادرات التنيم الأصفر Yellow Dragon Fruit .

يستند النموذج الصيني إلى مزيج دقيق من القوانين المحلية المتقدمة، البنى التحتية العالمية، وبيئة تنظيمية محفزة على الابتكار والاستثمار.

كما يعرف العالم عدة نماذج أخرى ناجحة وقابلة للنمو، ونذكر على سبيل المثال تجربة بنغلادش التي أنشأت هيئة المناطق الاقتصادية (BEZA) التي جذبت أكثر من 3.9 مليار دولار من الاستثمارات، وخلقت 41,000 وظيفة جديدة بين 2011 و 2021، وفق ما تشير اليه تقارير البنك الدولي في العام 2021.

بدورها جذبت جنوب إفريقيا من خلال نموذج المنطقة الاقتصادية  استثمارات بقيمة 30 مليار راند حتى 2017، وأسهمت في خلق 83,000 وظيفة.

كذلك طورت رواندا منطقة اقتصادية في كيغالي بالشراكة مع البنك الإفريقي للتنمية، لتعزيز الابتكار الزراعي.

رغم النجاح المتزايد، تواجه المناطق الاقتصادية الخاصة جملة من التحديات:

1. الازدواجية القانونية: يؤدي غياب التنسيق بين القوانين العامة وقوانين المناطق الخاصة إلى فجوات في التطبيق، كما هو الحال في بعض المناطق النيجيرية.

2. التسرب الضريبي وغسيل الأموال: ففي غياب رقابة مالية صارمة، قد تتحوّل هذه المناطق إلى ملاذات ضريبية.

3. الاعتماد المفرط على الإعفاءات: اذ بدلاً من إجراء إصلاحات هيكلية أوسع، تعتمد بعض الدول على المناطق الخاصة كحلّ مؤقت.

4. عدم التكامل مع الاقتصاد الوطني: قد تصبح المناطق “جزرًا معزولة” غير مرتبطة بباقي قطاعات الدولة، مما يخلق فجوات تنموية.

 

لتجاوز هذه التحديات وتحقيق أقصى استفادة من المناطق الاقتصادية الخاصة، تُوصى الحكومات وصناع السياسات بالآتي:

1. وضع إطار قانوني خاص ومنضبط، يراعي العلاقة مع القوانين الوطنية ويضمن حماية الحقوق والشفافية.

2. إنشاء هيئات مستقلة للحوكمة والإدارة، تتمتع بالصلاحيات الكاملة والمساءلة الفعلية أمام السلطات الرقابية.

3. التقييم الدوري للأداء، باستخدام مؤشرات دقيقة (النمو، فرص العمل، الصادرات، التوطين) لربط الحوافز بالنتائج.

4. ربط المناطق بالاقتصاد المحلي عبر سلاسل القيمة، وتوفير خدمات لوجستية تربط المناطق بالمرافئ والأسواق الوطنية.

5. الاستثمار في البنية التحتية أولاً، قبل أي حوافز أو امتيازات، لتأمين البيئة الأساسية لجذب المستثمرين.

6. توطين المعرفة ونقل التكنولوجيا من خلال عقود ملزمة مع المستثمرين تتضمن التدريب والتشغيل المحلي.

خلاصة القول،  لقد اصبحت المناطق الاقتصادية الخاصة بُنى استراتيجية في صلب الاقتصاد العالمي الجديد. لكنّ نجاحها لا يُقاس بعدد الشركات أو الامتيازات، بل بمدى قدرتها على إحداث تغيير بنيوي في الاقتصاد الوطني، وخلق فرص عمل حقيقية، ونقل التكنولوجيا، وتحقيق العدالة التنموية. ويكمن التحدي الأكبر في صياغة نموذج قانوني وإداري متكامل، يوازن بين الجاذبية الاستثمارية، والسيادة القانونية، والعدالة الاقتصادية.