“المناطق” الاقتصادية الخاصة اللبنانية: فُرصٌ واعدة …. بِخُطى ضائعة… فهل ستبقى … كـ “المارد”.. من ورق…!!

 شهد العالم في العقود الثلاثة الأخيرة طفرة غير مسبوقة في انتشار المناطق الاقتصادية الخاصة (Special Economic Zones- SEZ) ما دفع بالباحثين، في شتى مجالات الميادين المعرفية، وتحت وطأة ديناميكيّة دوليّة ضاغطة، لتتبّع مسارها، وترقّب اصدائها، بالنظر لارتداداتها الحتميّة على “الدول ” في وجودها الكياني.. ورفاهية مواطنيها.    

تسونامي "المناطق الاقتصادية الخاصة ".. اهتمام عالمي.. وأرقامٌ صادمة.

ما أضفى أهمية استثنائية على سرديّة المشهدية الدولية في منطلقاتها ومنتهاها.. تلك اللوحة الفُسيفسائيّة النمطيّة لتوطّنها في اقتصاديات الدول قاطبة، تحقيقا للرفاه المجتمعي المنشود. إذ تعدّدت أشكالها، واختلفت مجالاتها، ليس فقط بين الدول على مساحة الخارطة الجغرافية الدولية، بل أيضاً ضمن الدولة نفسها، تبعاً:

1- لأنماط انشائها: من نمط تقليدي يعتمد على الموارد المالية والبشرية الحكومية.. إلى أنماط مستحدثة – نؤيّدها – تقوم على الشراكة بين القطاعين العام والخاص Public-Private Partnership (PPP) وصولا لشراكات حكومية عابرة للحدود بهدف الاستفادة القصوى من الرأس المال الاستثماري وضمان الوصول لأسواق جديدة.

2لخصوصية أهدافها: من تيسير الخدمات التجارية واللوجستية، إلى تطوير في الخدمات الماليّة، مرورا بتوطين الصناعات الحديثة، والطاقة البديلة والمستدامة، وصولا لتنمية مجالات العلوم والابتكار…. والقائمة ستطول حتما.  

منطق الامور.. يقضي بـ”فرضية” مواءمتها مع البيئة الاقتصادية والاجتماعية والاستثمارية حيث حلّت.. لتُشكل، بحقّ، اضافة للاقتصاد الوطني… لا عبئاً عليه.. ولتكون حافزا لجذب وتوطين الاستثمارات الأجنبية.. وليس أداة “غليظة” لتهريبها.. في سياق تعزيز المسار الاصلاحي البنيوي، واستثمار الكفاءات، وتفعيل التكامل الاقتصادي الاقليمي والدولي بالتوازي مع الإصلاحات الهيكلية الوطنية.  

لا تَلبثُ أن تندثِرَ تلك الفرضيّة “المثالية”.. بفعل واقعيّة قاتمة “متوقّعة “… دلّت عليها بوضوح التباينات في التجارب العالمية، بين فشلٍ واضح ونجاحٍ ملحوظ وفقا لتقرير (الأونكتاد UNCTAD) لعام 2019: إذ (22%) من المناطق الاقتصادية الخاصة في العالم التي تربو عن 7000 منطقة، غير مستغلة إلى حد كبير. (25%) منها مستغلة بشكل جزئي، في حين أن (43%) منها لا تتمتع بالبنية التحتية المطلوبة. (42%) من المناطق غير مرتبطة بالاقتصاد الوطني والموردين المحلّيين.. و (17%) منها موقعها الجغرافي غير مناسب. بالمحصلة، (13%) فقط من المناطق مستغلة بصورة كاملة مع وجود خطط لتوسعتها مستقبلا.

المناطق الاقتصادية الخاصة في الاقتصاديات العربية.. رؤى استشرافية.. ومبادرات وازنة..

أيقنت المنظومة الاقتصادية العربية حتميّة التفاعل مع المحيط الاقليمي والدولي، فبرزت مبادرات عدة مثيرة للاهتمام، حكومية وخاصة، خلال السنوات الماضية، تجسّدت باستحداث كيانات وتجمعات استثمارية مستدامة داعمة للاقتصاديات الوطنية، تمّ الاعتماد فيها على فكرة المناطق الاقتصادية الخاصة، ضمّنتها رؤياها الاقتصادية. وشواهد ذلك عديدة، أبرزها:

ما أعلن مؤخرا لدى ((المملكة العربية السعودية)) ضمن رؤية المملكة 2030، من تأسيس مناطق اقتصادية جديدة في مواقع إستراتيجية في جميع انحاء المملكة: مدينة الملك عبد الله الاقتصادية، منطقة جازان الاقتصادية الخاصة، منطقة رأس الخير الاقتصادية الخاصة، ومنطقة اقتصادية خاصة للتقنيّات الناشئة والابتكار الرقمي وقطاع التكنولوجيا في مدينة الملك عبد العزيز للعلوم والتقنية (مقرها العاصمة الرياض). ولا يغيب عن البال المنطقة الاقتصادية السعودية – الصينية الخاصة ضمن مطار الملك سلمان الدولي، الذي من المتوقع أن يصبح أحد أكبر المطارات على مستوى العالم بحلول عام 2030.

بدورها، تولي ((سلطنة عُمان)) اهتماما خاصا بالمناطق الاقتصادية الخاصة، تجلّى بوضوح مؤخرا بصدور المرسوم السلطاني رقم (38) لعام 2025 – بإصدار قانون المناطق الاقتصادية الخاصة والمناطق الحرة – ملغيا بذلك قانون المناطق الحرة الصادر بالمرسوم السلطاني رقم 56/2002. وتبرز بالخصوص، منطقة الدقم الاقتصادية بسلطنة عُمان لعام 2011، إحدى أبرز وأضخم المشاريع في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، بامتدادها على مساحة تزيد عن 2000 كيلومتر مربع بطول 90 كيلومترا على الشريط الساحلي المطل على بحر العرب.

أما لدى ((دولة الامارات العربية المتحدة))، فالقائمة تطول بالمناطق الاقتصادية الخاصة، النوعية في مجالاتها، والغزيرة في خدماتها، والتي تربو عن (55) منطقة –   يتقدم قائمتها: مدينة إكسبو دبي Expo City Dubai ، ومدينة “مصدر” الذكية في أبو ظبي  Masdar City التي تعد أول مدينة في العالم تعتمد على الطاقة النظيفة والمتجددة، وواحة دبي للسيليكون Dubai Silicon Oasis (DSO)، ومنطقة جبل علي الحرة Jebel Ali Free Zone Authority (JAFZA) ،و سوق أبوظبي العالمي (ADGM)  Abu Dhabi Global Market ، والمنطقة الحرة في أبوظبي (Abu Dhabi Free Zones) (ADFZ)، ومناطق خليفة الاقتصادية أبوظبي Khalifa Economic Zone Abu Dhabi (KEZAD)، ومجمع توازن الصناعي   Tawazun Industrial Park (TIP) ، ومركز دبي التجاري العالمي Dubai World Trade Centre (DWTC) . ويُواكب أنشطة تلك المناطق وسواها، اهتمام تشريعي ملحوظ بما يُعين على استدامتها، كالقانون الاتحادي رقم (8) لسنة 2004 بإنشاء المناطق الحرة المالية، والقانون الاتحادي رقم (13) لسنة 2013 بشأن المناطق الاقتصادية الحرة في الدولة، والقانون رقم (16) لسنة 2021 بإنشاء سُلطة دبي للمناطق الاقتصاديّة المُتكامِلة، مع سواها من قرارات ولوائح تنظيمية متعلقة بالتجارة والاستثمار.

ولا يغيب عن البال حتما، ((جمهورية مصر العربية)) بمناطقها الاقتصادية الخاصة الممتدة في جميع أراضي الجمهورية، وإطارها التشريعي المنضبط الصادر مؤخرا بالقانون رقم (161) لسنة 2022 بهدف تطوير بيئة الأعمال، وتحفيز الاستثمارات في شتّى القطاعات الانتاجية بما يعزز الرفاه المجتمعي المنشود. وشاهد ذلك، المنطقة الاقتصادية لقناة السويس Suez Canal Economic Zone (SCZone) بإسهاماتها الكبيرة في تعزيز التجارة الدولية والصناعات اللوجستية.

وعند الحديث عن ((المملكة الأردنية الهاشمية)) تتصدر قائمة مناطقها الاقتصادية الخاصة، “المنطقة الاقتصادية الخاصة في العقبة” التي تُعدّ من أكبر المناطق الاقتصادية في الأردن بفضل موقع مدينة العقبة الاستراتيجي على ساحل البحر الأحمر. وقد أُنشات بالقانون رقم (32) لسنة 2000 مستهدفة تعزيز التجارة والصناعة والخدمات اللوجستية وتوفير بيئة استثمارية آمنة من خلال مجموعة من اللوائح التنظيمية والتعليمات الصادرة بموجب القانون سالف الذكر.

لبنان.. و"مناطقه" الاقتصادية الخاصة: رحلةُ عذاب... منذ 2008 إلى عام 2025.. فهل من مزيد؟؟

لقد تعالى لُبناننا المَكلوم على جراحه الثخينة المتجددة دوما بصور شتّى. … فأدرك من واقع تفاعله مع المحيط العربي ومواكبته للمستجدات الدولية، أهمية تلك الموجة العالمية التي ترنو نحوه بخُطى متسارعة. فأصدر البرلمان اللبناني بتاريخ 18/9/2008 القانون رقم (18) لسنة 2008 بإنشاء المنطقة الاقتصادية الخاصة في مدينة (طرابلس) – شمالي لبنان. التي تعد، على نحو ما تفيده الشواهد التاريخية، والوقائع السياسية والاجتماعية، عاصمة لبنان الاقتصادية ما بَقِيَ لُبنان.. بل لا نبالغ بالقول، أن “مدينة طرابلس” – بنسجيها الاجتماعي الراقي، وقيمها الحضارية الأصيلة، وثروتها الاقتصادية الواعدة – هي “مقرّ” المنطقة الاقتصادية الخاصة للدولة اللبنانية.. لكل لبنان.. وليست مجرد كيان اقتصادي مناطقيّ محدود الافق والأبعاد، فرضته موازينُ قوى ظرفيّة.. أقله كيّ لا يصبح حالها كحال معرضها الكرامي الشامخ، الشاهد على الرُؤى المفقودة في النفوس غير البريئة قبل النصوص القانونية الظالمة… 

ومؤخرا.. في عام 2025.. أصدر البرلمان اللبناني القانون رقم (2) بإنشاء مناطق اقتصادية خاصة للصناعات التكنولوجية، نُشر في الجريدة الرسمية بالعدد رقم (22) تاريخ 16/5/2025. ويزدحم – على حد علمنا – جدول أعمال اللجان النيابية المختصة باقتراحات قوانين لإنشاء مناطق اقتصادية عديدة على كافة تراب الوطن: في مدينة “البترون”، في قضاءي “صور” و”زحلة”، وفي محافظة “بعلبك الهرمل”.  

ولنا.. انطلاقا مما جُبِلنا عليه في منبتنا الطرابلسي، من أدبيّات في الطرح، وأخلاقيّات في التحليل والنقد البنّاء، بغية تصويب المسار لما فيه الخير العام.. وقفاتٍ موجزة – وبما يسمح به المقام – امام الاطار القانوني للمناطق الاقتصادية الخاصة على ضوء بعض الأحكام القانونية السارية والمقترحة، المؤثرة بطبيعة الحال على إيقاع نشاطها، وتحقيق ما تصبو إليه من تنمية مستدامة..

أولا – إن “تعميم” ثقافة المناطق الاقتصادية الخاصة في كافة المحافظات اللبنانية مسلك محمود.. نؤيّده بقوة.. لا بل ندعو إليه مرارا.. إنما وفق رؤى تكامليّة نهضويّة … لا تنافسيّة تُحرّكها التدخلات السياسية بالرغم من صعوبة استبعادها.. تراعي – بالأولوية – خصوصية ((المكان)) وظروفه.. لتكون، بحق، قيمة مضافة كما أُريدَ لها أن تكون.. رياديّة في مجالها، بحيث تُساهم في تحقيق منتهاها من تنمية مستدامة، ورفاه مجتمعي واعد. وفي هذا السياق، ندعو لضرورة مواءمة المادة (17) من القانون رقم (18) لسنة 2008 مع مثيلاتها في القانون رقم (2) لعام 2025 وسائر القوانين المقترحة. مع لفت النظر إلى الجدوى المحقّقة من استبعاد (الخدمات السياحية) عن أنشطة المنطقة الاقتصادية الخاصة بمدينةٍ تُعد من أجمل المناطق الساحلية على الشاطئ الشرقي للبحر الأبيض المتوسط. كما ندعو للتفكير ملياً باللامركزية الموسعة في الترخيص بالأنشطة التكنولوجية، ومقاربة “موضوعية” و”مجردة” في تحديد “المرجعية” المؤسساتية عقب صدور القانون رقم (2) لعام 2025 في ظلّ ما حققته منطقة طرابلس الاقتصادية من إنجاز نوعيّ مع مشروع “مدينة الابتكار والمعرفة”، بموافقة مجلس الوزراء اللبناني منذ سنوات على تخصيص مساحة 75 ألف متر مربع من اراضي معرض الرئيس رشيد كرامي الدولي بغية استقطاب الاستثمارات في قطاع الخدمات الحديثة ذات الصلة بالمعرفة والابتكار. 

ثانيا – إن نجاح المناطق الاقتصادية يتطلب “انضباطاً” في النظام القانوني الذي يحكم أساس انشائها، وطبيعة عملها، وأساليب ادارتها. لا بل إن أفضل الممارسات الدولية، تُوصي بضرورة وجود نظام قانوني وإطار تنظيمي موحد حاكم للمناطق الاقتصادية، يحلّ محل القوانين المتعددة التي قد تتفاوت وتختلف في مقاربة الحقوق والامتيازات والموجبات والالتزامات على غرار ما هو معتمد في كثير من الدول الأجنبية، حيث لا يتم اللجوء الى نصوص متفرقة خاصة بكل منطقة اقتصادية على حدة، بل يتمّ اصدار قانون موحد ناظم لعمل كافة المناطق، ويُترك للسلطة التنفيذية صلاحية انشاء ما تحتاجه منها وفقاً لاحتياجاتها وخصوصيات كل منها. على أن يكون للهيئات المحلية الدور الريادي في هذا السياق وفق رؤى تكاملية لللامركزية الادارية الموسعة التي دوما يتم المناداة بها لبنانيا.   

ثالثا – لقد حققّت المنطقة الاقتصادية الخاصة للدولة اللبنانية، ومقرّها مدينة طرابلس، وبالرغم من الظروف السلبية المُحبطة غير الخافية على أحد، خطوات جبّارة خلال فترة قياسيّة، على الصعد البنيوية والمؤسساتية، والتشغيلية، والإستراتيجية، والتسويقية. وفي سياق رفدها بما يعزز إطارها القانوني، نُشر مؤخرا في العدد (الثاني) من الجريدة الرسمية تاريخ 11/1/2024 المرسوم رقم (12771) الصادر بتاريخ 20/12/2023 المتعلق بـ “نظام الأجراء في الهيئة العامة للمنطقة الاقتصادية الخاصة في طرابلس”. ونكتفي في هذا الصدد، بالتساؤل عن مدى تحقق الوحدة التشريعية بين ما تضمنه الفصل (السادس) من القانون رقم (2) لعام 2025 وأحكام المرسوم الاخير من جهة، وما هو مرتقب صدوره بالخصوص في القوانين المقترحة من جهة أخرى!!!      

رابعا – نقترح استكمال جهود ضبط الاطر الناظمة لممارسة نشاط المناطق الاقتصادية – المنشأة منها والمرتقبة، بإعداد العدة لمؤشرات قياس تُعين على تقييمها بهدف قياس مدى نجاحها في تحقيق اهدافها، ومدى الضرورة لتطوير خدماتها، وصولاً لتقرير مدى الحاجة اليها من عدمه.

ففي روسيا الاتحادية مثلا، يتم تقييم فعاليّة كافة المناطق الاقتصادية الخاصة (المناطق ذات الإنتاج الصناعي، مناطق التكنولوجيا المبتكرة، مناطق السياحة والترفيه، إلخ …) من خلال ستة مؤشرات رئيسية هي: جاذبية الاستثمار، بيئة الأعمال، البنية التحتية، الموارد الطبيعية، النشاط الاستثماري لسكان المنطقة الاقتصادية الخاصة، شفافية المعلومات. أضيفت لها أربعة مؤشرات عامة تتضمن (18) مؤشراً فرعياً أبرزها: أداء سكان المناطق الاقتصادية الخاصة، ربحية الاستثمار الفيدرالي والاقليمي والمحلي في مجالات الهندسة، النقل، الخدمات الاجتماعية، الابتكار والبنية التحتية الأخرى، أهداف المناطق الاقتصادية الخاصة، أداء الهيئات الإدارية للمناطق الاقتصادية الخاصة، فاعلية التخطيط لإنشاء المناطق الاقتصادية الخاصة.

أما في الصين، الرائدة في المناطق الاقتصادية الخاصة، فيتمّ بشكل دوريّ تقييم أداء “High-Tech Development Zone” (HTDZ) من خلال سلسلة مؤشرات موزعة في أربعة فئات رئيسية هي: المعرفة التكنولوجية، قدرات التحسين الهيكلي، المشاركة في المنافسة العالمية، التنمية المستدامة. وأضيف إليها “القدرة الابتكارية” كمؤشر تطلبّه تطور العلوم والتكنولوجيا. في حين يتمّ تقييم Economic and Technological Development Zone” (ETDZ) ” من خلال خمسة فئات رئيسية هي: القدرة الصناعية، الابتكار التكنولوجي، التكامل الإقليمي، حماية البيئة، الكفاءة الإدارية، والتي بدورها تتضمن ثلاثة وخمسين مؤشراً مثال: الناتج الصناعي، الإيرادات، الإنتاجية، الناتج المحلي الإجمالي، نفقات البحث والتطوير، تدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر، قيمة التجارة الخارجية وعدد الشركات المدرجة، فضلاً عن مؤشرات الاستدامة مثال : عدد مؤسسات التدريب المهني، استهلاك الطاقة والمياه، ومعدل إعادة تدوير النفايات.

وفي سياق مواكبة التحديات المعاصرة، أضحت لمؤشرات التنمية المستدامة بأهدافها (السبعة عشر) التي اعتمدتها الأمم المتحدة عام 2015 مكانة هامة في التثبت من فعالية المناطق الاقتصادية الخاصة والتحقق من مواءمة أهدافها مع استدامة الخير العام المنشود للجماعة البشرية. وبهذا الصدد، أطلق التحالف العالمي للمناطق الاقتصادية الخاصة Global Alliance of Special Economic Zones (GASEZ).  في عام 2023، مبادرة “شركاء المناطق النموذجية لأهداف التنمية المستدامة” بغية رفع مستوى الوعي بمساهمات المناطق الاقتصادية الخاصة في التنمية المستدامة، والتعرف على المناطق الرائدة في هذا المجال، وأفضل الممارسات التي يمكن أن تُلهم المناطق الأخرى وتُحاكيها.

وبحسب التقرير الصادر عن الاونكتاد بخصوص مراقبة تشجيع وتيسير الاستثمار The IPA Observer, (Investment promotion and facilitation monitor) في شهر ديسمبر 2024، تولي (88%) من المناطق التي شاركت في الاستطلاع أولوية خاصة للهدف (9) المتصل بـ(الصناعة والابتكار والهياكل الأساسية). وفي هذا السياق، يُستقرأ اهتمام الدولة اللبنانية بقطاع المعرفة المبتكرة منذ عام 2008 وليس آخره عام 2025 على النحو السابق ذكره أعلاه. أما لجهة حماية البيئة ومسألة التغيير المناخي (الهدف 13) فقد حظيت، بحسب التقرير، باهتمام (64%) من المناطق. وذات النسبة انسحبت ايضا على مسألتي الصحة الجيدة والرفاه (الهدف 3). وبذات السياق، يحظى (الهدف 4) المتمثل بالتعليم الجيد باهتمام (62%) من المناطق. وبحسب التقرير، تُعدّ الأهداف العامة إجمالا محورية في أنشطة المناطق الاقتصادية، كـ (الهدف 8) المتمثل بـ(العمل اللائق والنمو الاقتصادي) بنسبة اهتمام فاقت (82%)، والهدف (11) المتصل بـ(المدن والمجتمعات المحلية المستدامة) باهتمام وصل إلى (79%). مجمل ما سبق، يدلّل بوضوح كلّي ما باتت تجسّده المناطق الاقتصادية الخاصة في المنظور العالمي من قيم حضارية شمولية في معناها ومبناها من جهة وأثرها المجتمعي من جهة أخرى.     

خامسا – من الحقائق الثابتة التي يصعب إغفالها أو غض الطرف عنها، النظام البديل للفصل بالمنازعات كعامل محوري في تحفيز الاستثمار بالنظر لما يُوّفره من ضمانات رئيسية، ومزايا متنوعة، تُعين على تحقيق المواءمة بين احترام سيادة الدولة وهيبتها من جهة، وتبديد مخاوف المستثمرين من جهة أخرى. لذا، نستغرب هذا “الاغفال الصريح” في الاشارة لمنحى تسوية المنازعات ضمن المنطقة الاقتصادية الخاصة، وعدم تضمين القانونين سالفي الذكر أية احكام منضبطة بالخصوص في ظلّ نماذج وتجارب دولية رائدة جديرة بالاهتمام.. ومنها فكرة اعتماد المحاكم التجارية الدولية International Commercial Court المنافس الشرعي الوحيد للتحكيم على ضوء ما تفيده الدراسات الدولية المتخصّصة … أقله حتى حينه..    

في يومنا التالي!!! لا بد من نموذج لبناني.. على مفترق "القانون" والاقتصاد" ..

من الخطأ الفادح … إسقاطُ نموذجٍ ناجح لمنطقة اقتصادية خاصة على سائر اقتصاديات العالم.. إن من حيث الكمّ أو من حيث النوع… فلكلّ منطقة اقتصادية …كحال كلّ دولة… خصائصها، ومقتضياتها، ونظامها الاقتصادي، الذي تتمسك به.. يقودها الى قِمم النجاح.. او الى مهبط الاخفاقات..

من الخطأ الفادح.. أن بعض الدوائر السياسية والحكومية تتعامل مع هذه المناطق على أنها مجرد “مساحة جغرافية محددة ذات أبعاد استثمارية”، بمعزل عن احترام خصوصيتها، ومقاربة أهميتها على كافة المستويات الاقتصادية والاجتماعية بالشكل المطلوب؛ وشاهد ذلك، أن القواسم المشتركة بين جميع الدول التي فشلت فيها تجربة المناطق الاقتصادية، تشير الى تخبط في السياسات العامة، وارباك في القرارات التنفيذية.. فلم تكن السياسات متسّقة مع مفردات وأنماط الاقتصاد المعولم.. ولم تنجح القرارات في تلبية متطلبات التنمية المستدامة ومستلزمات الاقتصاد الرقمي.

مُخطئٌ من يعتقد.. أن المناطق الاقتصادية الخاصة.. تلك “المعجزة” الصينيّة المنبت.. والعالمية الانتشار.. ستُشكل الترياق الفوري للأزمات الاقتصادية الوطنية. فتلك المناطق الذائعة الصيت ليست سوى حقل تجارب أو طريق مختصر لتحقيق الاصلاح والتحديث المنشودين.

المسألة … أبعد من مجرد (تقليد) لأنماط دوليّة… أو (اقتباس) لتجارب اقتصادية… أو (تكيّف) مع مستجدات متغيّرة.. كما انها أعمق من مجرد (جنيّ) لفوائد استثمارية… أو (تشييد) لملاذات آمنة.. أو (مقاييس) ظرفيّة للموازنة بين عوائد الحوافز المقدمة والتداعيات الوطنية المرتقبة.

فلا مفرّ.. والحال كما وصفنا.. إذا ما أردنا لمناطقنا الاقتصادية أن تحيا.. من “انضباط” النص التشريعي الوطني.. وتجانسه مع بيئة التجارة والاعمال.. كضرورة واقعيّة.. وملحّة.. أقلّه كي لا تتحوّل نعمتها “المنشودة” … إلى نقمة “مرفوضة”… فلا تخطو نحو المستقبل بخُطى “سُلحفاةٍ”.. وفي ” قفص”..

ألسنا مع كل وداع نتعلّم، كما قال بحق الكاتب الارجنتيني Borges؟؟!! فهل من مجيب؟؟

من المحال دوام الحال.. والله دوما وليّ التوفيق..