التكامل بين المناطق الاقتصادية الخالصة والخاصة: مقاربة في التجربة اللبنانية

في ظل التحولات العميقة التي فرضتها العولمة وتزايد التنافس الدولي على الموارد، برزت أدوات قانونية واقتصادية مبتكرة تسعى إلى إعادة تشكيل الخريطة التنموية للدول، سواء عبر استغلال المساحات البحرية أو عبر تصميم بيئات برية مرنة جاذبة للاستثمار. من أبرز هذه الأدوات: المنطقة الاقتصادية الخالصة (EEZ) والمنطقة الاقتصادية الخاصة (SEZ) . وعلى الرغم من اختلاف الطبيعة الجغرافية والقانونية لكل منهما، فإنهما تمثلان وجهين متكاملين لسياسة تنموية قائمة على تعظيم الاستفادة من الموارد وتعزيز اندماج الدولة في الاقتصاد العالمي.

المنطقة الاقتصادية الخالصة (EEZ) تُعد من أهم ابتكارات القانون الدولي للبحار، وقد جرى تكريسها بموجب اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار لعام 1982، باعتبارها منطقة تقع إلى ما وراء البحر الإقليمي وتمتد حتى 200 ميل بحري من خط الأساس. وتمنح هذه المنطقة الدولة الساحلية حقوقًا سيادية على الموارد الحية وغير الحية، سواء في المياه أو أعماق البحر أو باطنه، بما يشمل الصيد، التنقيب عن النفط والغاز، واستخدام مصادر الطاقة المتجددة. لكنها في الوقت ذاته لا تمثل سيادة كاملة، إذ تظل حرية الملاحة والطيران وتمديد الكابلات البحرية مكفولة للدول الأخرى، مما يجعلها نظامًا قانونيًا خاصًا يتوسط بين السيادة المطلقة في البحر الإقليمي والحرية الكاملة في أعالي البحار. وتفرض اتفاقية البحار التزامات على الدولة الساحلية أبرزها المحافظة على التوازن البيئي، منع الاستغلال المفرط للموارد، والتعاون مع الدول المجاورة أو غير الساحلية لضمان استدامة المكاسب. من هنا، فإن المناطق الاقتصادية الخالصة ليست فقط إطارًا للاستغلال بل أيضًا منصة لتنظيم الحقوق والواجبات الدولية.

أما المنطقة الاقتصادية الخاصة (SEZ)، فهي أداة داخلية محضة، تنشأ بقرار وطني وتُدار وفق تشريعات محلية، تهدف إلى جذب الاستثمار وتشجيع الأنشطة الاقتصادية من خلال منح تسهيلات ضريبية وجمركية، وتبسيط الإجراءات الإدارية، وتوفير بيئة قانونية مرنة. وقد عرفت هذه الأداة نجاحات لافتة منذ ثمانينات القرن الماضي، خصوصًا في الصين التي استخدمت تجربة شينزن كمنصة تحوّلية لنقل اقتصادها من الانغلاق إلى الانفتاح، حيث تحوّلت المدينة من قرية صيد إلى مركز صناعي وتكنولوجي عالمي. وتكمن أهمية المناطق الاقتصادية الخاصة في قدرتها على أن تكون مختبرًا للإصلاحات الاقتصادية، ومسرّعًا لجذب رؤوس الأموال، ومجالًا لتجريب سياسات لم يكن ممكنًا تعميمها على كامل الاقتصاد دفعة واحدة.

ومن هنا يبدو جليًا الاختلاف بين نوعي المناطق الاقتصادية، الخالصة والخاصة، اذ أن الأولى هي إطار دولي، موقعه بحري، غايته استغلال الموارد الطبيعية ضمن قواعد صارمة نصت عليها اتفاقية البحار، وتتمتع فيه الدولة الساحلية بحقوق سيادية محدودة. أما الثانية فإطار وطني داخلي، موقعه بري، غايته تحفيز الاستثمار والتنمية المحلية عبر تيسير الأنشطة الاقتصادية، وتخضع بالكامل لسلطة الدولة. ومع ذلك، فإن كلا النوعين يلتقيان في جوهر واحد: استخدام أداة قانونية محددة لتعزيز التنمية الاقتصادية من خلال منطقة جغرافية ذات طبيعة خاصة، وبناء استراتيجية اقتصادية تحقق عوائد ملموسة للدولة والمجتمع.

هذا الالتقاء يفتح الباب أمام تكاملٍ مثمر بين النظامين. إذ يمكن للدولة الساحلية أن تستغل ثرواتها البحرية كالغاز والنفط أو الطاقة المتجددة في المناطق الاقتصادية الخالصة وتربطها مباشرة بمشروعات صناعية ولوجستية مقامة ضمن مناطق اقتصادية ساحلية، بما يخلق سلسلة قيمة مضافة متكاملة تبدأ من المورد البحري وتنتهي عند التصدير الصناعي. كما يمكن للمنطقتين أن تعملا معًا على تعزيز الأمن الاستراتيجي للدولة، واحدة عبر ترسيخ السيادة البحرية وضبط الحدود البحرية، والأخرى عبر توفير بيئة اقتصادية تعزز الصمود الداخلي وتخلق فرص عمل محلية.

ورغم أهميتهما الاقتصادية فإن كلا النظامين يواجهان تحديات قانونية ؛ فالمناطق الاقتصادية الخالصة (EEZ) تعاني من إشكاليات الترسيم والنزاعات البحرية كما يحدث في بحر الصين الجنوبي أو شرق المتوسط، حيث لم تكف النصوص الدولية وحدها لردع الانتهاكات. في حين تسعى بعض القوى المحليّة لإفشال المناطق الاقتصادية الخاصة(SEZ)  بظنّها واعتبارها أنها أدوات تمنح امتيازات استثنائية على حساب باقي الاقتصاد، أو أنها تفتح الباب أمام ممارسات ضريبية وبيئية غير منضبطة إذا غابت الرقابة.

وماذا عن التجربة اللبنانية ؟؟

الوضع اللبناني يقدم نموذجًا غنيًا لتطبيق هذين النظامين معًا. ففي البر، أنشأ لبنان بموجب القانون رقم 18/2008 منطقة طرابلس الاقتصادية الخاصة، كأداة لتنمية الشمال المهمّش وفتح أفق أمام الاستثمار الصناعي واللوجستي، كما تم اقتراح انشاء مناطق متعددة في كل من صور، صيدا، والبترون وغيرها من المدن الساحلية والمناطق الداخلية كسهل البقاع تحديداً…

أما في البحر، فقد تبنّى لبنان قانون الموارد البترولية في المياه البحرية رقم 132/2010، الذي أرسى الإطار القانوني لإدارة المناطق الاقتصادية الخالصة. وبعد سنوات من النزاع مع الكيان الصهيوني حول الترسيم البحري، تم التوصل عام 2022 إلى اتفاق تفاوضي برعاية أميركية سمح للبنان بتثبيت ما أمكن من حقوقه في البحر، وفتح المجال أمام تحالف شركات دولية (توتال إنرجي، إيني، قطر للطاقة) لاستكشاف الثروات.

من هذا المنظور، يمكن القول إن لبنان يمتلك اليوم فرصة فريدة لتكامل (EEZ) و ( SEZ)  فالموارد الغازية المحتملة في البحر يمكن أن تُستثمر وتُعالج عبر بنى تحتية صناعية ولوجستية في المدن الساحلية في شمال البلاد وجنوبه، مما يحول هذه المدن إلى مراكز محورية للتنمية الوطنية. غير أن هذا التكامل يتطلب شرطين أساسيين: أولًا، تعزيز الإطار القانوني والمؤسسي بما يكفل الشفافية والمحاسبة، وثانيًا، إدارة العوائد بطريقة تنموية عادلة تضمن انعكاسها على البنى التحتية والخدمات العامة.

خلاصة القول، بقدر ما ينجح بلد مثل لبنان في التوفيق بين هذين النظامين واستثمار تكاملهما، بقدر ما يتمكن من تحويل حدوده البحرية ومناطقه البرية إلى منصات إنتاج ونمو تعزز استقلاله الاقتصادي وتزيد مناعته في وجه الأزمات.