المناطق الاقتصادية الحدودية: المفهوم، الأبعاد والتحديات (الجزء الاول)

لا يتقارب الجموح ولا الجنوح السياسي المتمثل بطرح الرئيس الأميركي دونالد ترامب بإقامة منطقة اقتصادية في جنوب لبنان مع ما يرتبط بالمناطق الاقتصادية الحدودية – موضوع هذا المقال – لا بالتعريف ولا بالمقاصد ولا بأي من الميزات والخصائص. فالمنطقة التي يطرحها ترامب ليست سوى تغليف مزيّن ومزيّف لاحتلال منطقة عزيزة من الجغرافية اللبنانية، في حين أن المنطقة الاقتصادية الحدودية (SBEZ) فهي بتعريفها ثنائية أو متعددة، وتُقام على الحدود الجغرافية المشتركة بين دولتين أو أكثر، مما يتطلب توافقاً وشراكة وثقة وتعاوناً غير موجودين بين لبنان والعدو الإسرائيلي… فلنتخطى إذاً هذه الهرطقة السياسية-الاقتصادية، ولنركّز على التعريف السليم والبعد التنموي للمناطق الاقتصادية الحدودية المشتركة، بتعريفها وواقعها الحقيقيين.

ففي ظلّ جنون لعبة الأمم الدولية الدامية… بمنظومتها المتعولِمَةِ المُتسارعَةِ الخُطى من ألِفِها إلى يائها، يحرص أقطاب صناّع القرار الاقتصادي العالمي، على حماية مصالحهم الاقتصادية وصونِ نفوذهم الدولي الموروث إن في رسم السياسات العالمية، أو في تحديد مستوى رفاهية المجتمعات ومصائرها، وفق خطة ممنهجة مرسومة سلفاً تفرضها في كل حين موازين ظروف كل مرحلة، ومقتضيات كل حقبة.

انطلاقا من هذه المسلمة الدوليّة بواقعيّتها الثابتة، وعلى هُدى من ديناميكية التدفقات الاستثمارية في الخارطة الاقتصادية الدولية، تغيّرت مقاربة الـ”حدود” وخاصة في العقد الأخير، مكتسبة أبعاداً تنموية مستجدّة بمعناها الشمولي الواسع، جعلت منها قبلة أنظار الاستثمارات والشراكات الدولية… بل لا نبالغ في القول أنها أضحت – عمدا أو بغير قصد – وبالرغم من ضراوة صراع “المصالح” والتنافس في “هندسة” مكتسبات النفوذ الدوليين، “همزة وصل” لا “فصل” بين الأقاليم الجغرافية والاقتصاديات المعاصرة…. و”ملاذا آمنا” لاجتراح رؤى استشرافية.. وتوظيف أموال وخلق إبداعات فتيّة.. وتلاقي سواعد وصقل مهارات وازنة.. وحوار ثقافات وحضارات متنوعة… وتعايش مفاهيم ومعتقدات مجتمعيّة … تتلاقى في مآلها مع التوافق الأمميّ المنشود لتحقيق أهداف التنمية المستدامة المتفق عليها أمميا منذ عام 2015.

أولى إرهاصات ذاك التحول، ما اصطلح على تسميتها أمميا بـ “المناطق الاقتصادية الخاصة الحدودية” Special Border Economic Zone (SBEZ) التي تُعدّ، إحدى أدوات التواصل الدولي في عائلة المناطق الاقتصادية الخاصة. وبتصنيفها بأنها “دوحة مشاريع ثنائية” لمنطقة تقع على طول الحدود بين الدول، تستهدف تلك المناطق – في مُسبّبات وجودها – مجموعة من الأنشطة، بهدف تعزيز التنمية الاقتصادية لمنطقة حدودية كجزء من استراتيجية تنموية إقليمية، وبخاصة تطوير البنية التحتية، وتيسير الخدمات اللوجستية، وتسهيل التجارة والاستثمار وصولا لإقامة علاقات ثنائية بين المدن عبر الحدود.. لذا، يتمايز إطارها القانوني والاقتصادي بأحكام تنظيمية ومتطلبات لوجستية أكثر دقة ومتانة من الإطار العام الناظم ” للمناطق الاقتصادية الخاصة الأم”، لا سيما على صعيد الحوكمة والبنيتين التحتية والاقتصادية والاجتماعية بما يُعزّز الضمانات المنشودة لدى كل من سكان الأقاليم الحدودية من جهة، والمستثمرين المحليين والدوليين من جهة أخرى.   

المتأمل في الخارطة الدولية، تستوقفه حتماً تجارب دولية عدة. ولقد وجدنا من المفيد عرض البعض من جديدها في الجزأين الثاني والثالث – بإيجاز كليّ وبما يسمح به المقام.. لما يشكّله من نماذج يحتذى بها للأوطان الطامحة أن تعيش في عالم النمو والتقدم لا على هامشه. ولنا في عرضها مآرب شتى نبيّنها تفصيلا في الختام. 

الا أنه، وقبل أن نُحلّق في فضاء القارة الآسيوية (الجزء الثاني) ومن ثم في أجواء التجربة الخليجية، ليحطّ رحالنا في لبنان حيث بيت القصيد والوجهة الختامية (الجزء الثالث) ، ننطلق في (الجزء الأول) من محطة التعريف بمفهوم وهيكل المناطق الاقتصادية الحدودية المشتركة.

أولاً- التمييز بين المناطق الاقتصادية الخاصة التقليدية (SEZ) والمناطق الحدودية (SBEZ) 

تنشأ المناطق الاقتصادية الخاصة (SEZ) غالباً في داخل الدول، قرب مرافئ أو مدن رئيسية، بهدف تحفيز الاستثمار عبر حوافز ضريبية وبنى تحتية متطورة، أمّا المناطق الاقتصادية الحدودية  (SBEZ) فهي بطبيعتها ثنائية (أو متعددة)، تقع على الحدود الجغرافية المشتركة بين دولتين أو أكثر.
هذا البعد الحدودي يفرض خصوصيات معينة، من ابرزها :

  • إدارة مشتركة أو منسّقة عبر حدود سيادية.
  • بنية تحتيّة مزدوجة تُمكّن من الربط بين شبكات النقل والتجارة في الدولتين.
  • قوانين خاصة تراعي ازدواجية التشريعات والأنظمة القضائية.

وبذلك، تتحوّل المناطق الاقتصادية الخاصة الحدودية   (SBEZ)من مجرد مشروع اقتصادي إلى أداة سياسية – تنموية – اجتماعية، تحمل في طياتها فرص التكامل كما مخاطر التوتر.

لا شك في أن نجاح مثل هذا النوع من المناطق الاقتصادية مرهون بقدرتها على توفير شبكة لوجستية متكاملة، اذ لا يمكن لأي منطقة حدودية أن تزدهر من دون معابر مجهّزة وبنى تحتية متطورة تسمح بانسياب البضائع والأفراد، وموانئ مائية وجويّة تفتح الآفاق والأجواء.

ولا ننسى هنا أهمية ربط  المناطق الاقتصادية الخاصة بالمراكز الإنتاجية الرئيسية، بحيث تتحوّل إلى حلقة في سلسلة التوريد، والاستفادة القصوى من التحوّل الرقمي، اذ بدأت بعض الدول تتجه نحو مفهوم Smart Border SEZs  حيث تُستخدم تقنيات الذكاء الاصطناعي و البلوك تشين (سلسلة الكتل)  لتسريع المعاملات الجمركية وضمان الشفافية.

ثانياً – دوافع إنشاء المناطق الاقتصادية الحدودية(SBEZ)     

المناطق الاقتصادية الحدودية ليست فكرة معزولة، أو مسعى رفاهي، بل هي على تماس مباشر مع أجندة الأمم المتحدة للتنمية المستدامة 2030، حيث تُساهم بشكل خاص في تحقيق الهدف 8 (العمل اللائق والنمو الاقتصادي) من خلال خلق فرص عمل ونشاط إنتاجي، والهدف 9 (الصناعة والابتكار والبنية التحتية) من خلال تطوير شبكات نقل ومعابر حدودية حديثة، والهدف 17 (الشراكات لتحقيق الأهداف) باعتبارها تجسيداً لشراكات ثنائية أو متعددة.

تتجه الدول اليوم إلى تأسيس  المناطق الاقتصادية الخاصة الحدودية  لدوافع مختلفة، يدور جميعها في فلك السعي الى تأمين الرخاء والرفاهية الاقتصادية والاجتماعية للشعوب، دون استبعاد البُعدين الأمني والسياسي اللذين يشكلان القاعدتين الرئيسيتين للاستقرار. ونُضيئ في هذا السياق على الأسباب المحتملة التالية للاندفاع بتأسيس المناطق الاقتصادية الحدودية المشتركة:

  1. التنمية المتوازنة: اذ غالباً ما تكون المناطق الحدودية متأخرة اقتصادياً مقارنة بالعواصم والمراكز الرئيسية. إقامة (SBEZ) تعني نقل جزء من التنمية إلى الأطراف، وخلق فرص عمل محلية.
  2. تيسير التجارة العابرة للحدود: اذ تتحوّل الحدود من جدار فاصل أو حاجز عائق إلى منفذ سلس للتجارة والاستثمار، بما يخفض كلفة النقل والزمن اللوجستي.
  3. التكامل الإقليمي: في عالم تتزايد فيه التكتلات، تصبح المناطق الاقتصادية الخاصة الحدودية أدوات عملية لتجسيد التعاون الثنائي والإقليمي، بما يخفف التوترات السياسية ويخلق مصالح اقتصادية متبادلة.

وهذا ما يقود الى إلقاء بعض الضوء على الأبعاد المحفزة والمرتبطة بمثل هذا المشروع  الحدودي.

ثالثاً – الأبعاد الاقتصادية والاجتماعية والمؤسسية والقانونية للمناطق الاقتصادية الحدودية(SBEZ)  

تُشكّل المناطق الاقتصادية الحدودية فضاءً متشابك الأبعاد، إذ لا يمكن فصل بعدها الاقتصادي عن الاجتماعي والمؤسسي. فمن الناحية الاقتصادية والمالية، تُقدَّم عادةً حوافز متنوعة تشمل التسهيلات الضريبية والجمركية والتمويلية، بهدف جعل هذه المناطق أكثر جذباً لرؤوس الأموال المحلية والأجنبية. وبفضل موقعها الحدودي، تتحوّل إلى بيئة مثالية للاستثمار الأجنبي المباشر(FDI)، حيث تتيح للمستثمرين الوصول المتزامن إلى سوقين، بما يرفع من قدرتها التنافسية. كذلك يمكن لهذه المناطق أن تلعب دوراً محورياً في إعادة تشكيل سلاسل التوريد الإقليمية، خصوصاً في ظل الأزمات الجيوسياسية التي تُعيد رسم خريطة التجارة العالمية.

غير أنّ هذه المناطق لا تقتصر على بعدها الاقتصادي، إذ إن أيّ مشروع حدودي هو بالضرورة مشروع اجتماعي وتنموي أيضاً. فهي تُساهم في خلق فرص عمل جديدة لسكان المناطق الحدودية، بما يخفّف من وتيرة الهجرة الداخلية ويعزّز التنمية المحلية. ونجاحها يُقاس بمدى قدرتها على تحقيق التوازن بين متطلبات المستثمرين من جهة، واحتياجات السكان من جهة أخرى، سواء لجهة الخدمات والبنية التحتية أو الحفاظ على البيئة. وإلى جانب ذلك، تبقى إدارة الهواجس الثقافية والسياسية مسألة حساسة، خاصة في مناطق ذات تاريخ من النزاعات أو الخصوصيات القومية، إذ ينبغي تفادي أن يُنظر إلى المشروع كأداة لترجيح طرف على حساب آخر.

أما البعد المؤسسي والإداري، فهو التحدي الأكبر في تجارب المناطق الاقتصادية الخاصة إذ غالباً ما يُنشأ مجلس أو سلطة ثنائية مشتركة لإدارة المشروع، بما يتطلّب نموذجاً تنظيمياً متماسكاً. وتتراوح النماذج بين إنشاء هيئة مستقلة ذات صلاحيات مشتركة، أو اعتماد إدارة منفصلة مع آليات تنسيق مستمرة. وفي جميع الأحوال، تبقى فعالية المشروع رهناً بوجود آليات واضحة لتسوية النزاعات وتجاوز التعارضات البيروقراطية، بما يحفظ الاستقرار والشفافية ويضمن استدامة الحوكمة.

وهذا ما يرتبط بالبعد القانوني، حيث تُعتبر الأطر القانونية والتنظيمية الأكثر تعقيداً وحساسية في أي تجربة لإنشاء مناطق اقتصادية حدودية. فالنموذج التشريعي المعتمد يختلف من دولة إلى أخرى: فبينما تلجأ بعض الدول إلى سنّ قوانين خاصة ومتكاملة لهذه المناطق، تفضّل دول أخرى الاعتماد على اتفاقيات ثنائية تنظّم التفاصيل العملية والإجرائية. غير أن التحديات تبقى كبيرة، وأبرزها ازدواجية الأنظمة القضائية، واختلاف القوانين التجارية والضريبية والعمالية بين الدولتين المعنيتين، فضلاً عن صعوبة تحديد آليات واضحة للفصل في النزاعات ذات الطابع العابر للحدود. لذلك، يصبح من الضروري أن يتضمّن الإطار القانوني ضمانات جدّية للمستثمرين من جهة، بما في ذلك الأمن القانوني والاستقرار التشريعي، وفي الوقت نفسه حماية حقوق السكان المحليين ومصالحهم الاجتماعية والبيئية من جهة أخرى.

خاتمة الوعود والتحديات

إن تحقيق التوازن بين الأبعاد الاقتصادية والاجتماعية والمؤسسية والقانونية هو ما يحدد، في نهاية المطاف، قدرة المناطق الاقتصادية الحدودية على الصمود والتحوّل إلى رافعة حقيقية للتنمية المشتركة. فهي تحمل في طيّاتها وعوداً كبيرة، لكنها في الوقت نفسه محفوفة بتعقيدات متشابكة. ففي حال إدارتها بنجاح، يمكن أن تتحوّل إلى قيمة مضافة فعلية: رافعة للتنمية، ومختبر للتكامل الاقتصادي، ومصدر للاستقرار السياسي.

أمّا في حال فشل الحوكمة، أو تغليب الحسابات السياسية على الاعتبارات الاقتصادية، فقد تنقلب إلى بؤر للنزاع أو الفساد أو التهريب. ومن هنا، فإن نجاح هذه التجارب ليس قدراً محتوماً، بل خياراً يعتمد على إرادة سياسية صلبة، وإطار قانوني متين، وآليات حوكمة رشيدة.

خلاصة القول، أننا أمام مفهومٍ جديد يعيد صياغة العلاقة بين الدول، عبر تحويل المناطق الحدودية من خطوط فاصلة إلى جسور للتعاون. في الأجزاء التالية، سنتوقف عند بعض التجارب الآسيوية (الجزء الثاني)، ثم ننتقل إلى النموذج الخليجي، قبل أن نعود إلى لبنان حيث يطرح مشروع المنطقة الاقتصادية الحدودية مع سوريا أسئلة حساسة عن فرص النجاح ومخاطر الفشل (الجزء الثالث والأخير).  

يتبع….