المناطق الاقتصادية الحدودية: التجربة الآسيوية – القيمة المضافة والنجاح الواعد               (الجزء الثاني)

تناولنا في (الجزء الأول) المناطق الاقتصادية الحدودية (SBEZ) باعتبارها أدوات استراتيجية لتعزيز التنمية الاقتصادية والتكامل بين الدول عبر الحدود، حيث تُعرف بأنها “دوحة مشاريع ثنائية” تهدف إلى تطوير البنية التحتية، وتيسير الخدمات اللوجستية، وتشجيع التجارة والاستثمار، بما يفتح آفاق التعاون بين المدن المجاورة. وتختلف هذه المناطق عن المناطق الاقتصادية الخاصة التقليدية بخصائصها الثنائية أو متعددة الأطراف، إدارتها المشتركة، بنيتها التحتية المزدوجة، وأطرها القانونية والتنظيمية الأكثر دقة، ما يعزز الضمانات للمستثمرين وسكان المناطق الحدودية. كما تناول الجزء دوافع إنشائها، بدءاً من تحقيق التنمية المتوازنة للمناطق الحدودية، وتيسير التجارة العابرة للحدود، وصولاً إلى دعم التكامل الإقليمي، مع التأكيد على الأبعاد الاقتصادية والاجتماعية والمؤسسية والقانونية المعقدة، وأهمية الحوكمة الرشيدة والضمانات القانونية التي توازن بين مصالح المستثمرين واحتياجات السكان المحليين، لتصبح هذه المناطق رافعة للتنمية المستدامة والاستقرار السياسي.

وقد حانت الفرصة في هذا الجزء لأن نطوف في فضاء بعض التجارب الآسيوية الواعدة.

البداية من جنوب شرق آسيا.. حيث الحكاية تُروى لأجيالٍ قادمة      

تُشّكل المنطقة الاقتصادية الخاصة القائمة بين جوهور وسنغافورة The Johor-Singapore Special Economic Zone (JS-SEZ) أنموذجا “جريئاً” للتكامل الاقتصادي الدولي. فمن تنافسيّة متوقعة بين ماليزيا وسنغافورة بحكم التجاور الجغرافي، انطلقت في مطلع عام 2025، مبادرة فريدة من نوعها، امتزجت من خلالها نقاط قوة البلدين لا ضعفهما: موقع ولاية جوهور الاستراتيجي بمواردها الاقتصادية الواعدة من جهة، واقتصاد سنغافورة المتين من جهة أخرى، وذلك بهدف تعزيز العلاقات التجارية والاقتصادية الثنائية، وتوطيد الشراكة الاستراتيجية. 

تجسّدت تلك المبادرة بإنشاء منطقة اقتصادية خاصة في ولاية جوهور Johor جنوب ماليزيا (JS-SEZ) على مساحة إجمالية تزيد عن (3500) كيلومترمربع بتمويل مشترك من البلدين. تُحاكي في جوهرها نموذج “التوأمة” القائمة بين شنجن Shenzhen وهونغ كونغ Hong Kong انطلاقا من القرب الجغرافي بين جوهور وسنغافورة ومتانة الروابط القائمة بينهما. 

من المخطّط أن تضم تلك المنطقة الاقتصادية الخاصة المشتركة (9) مناطق رئيسية: 

Johor Bahru Waterfront, Iskandar Puteri, Tanjung Pelepas, Tanjung Langsat – Kong-Kong, Senai – Skudai, Kulai – Sedenak, Desaru – Penawar, Forest City, and Pengerang . 

حيث يتوقع أن تؤدي هذه المناطق ذات الموقع الاستراتيجي – وعلى نحو ما تفيده الدراسات المتخصصة – دورا حاسما في تعزيز التنمية الاقتصادية ووضع المنطقة كمركز رئيسي للاستثمار والنمو الصناعي.  ومن أوجه تمايزها، الحوافز العديدة التي توفرها من ترتيبات ضريبية خاصة، إلى إعفاء من التأشيرات، ووصولا لحوافز تدريبية لجذب الشركات، ودعم قطاعات مختلفة، بما في ذلك التصنيع، والاقتصاد الرقمي، والأغذية الزراعية، والخدمات اللوجستية. من تلك الحوافز الضريبيّة السارية المفعول اعتبارا من 1/1/2025، استفادة الشركات العاملة في الصناعات المتقدمة كالذكاء الاصطناعي والطيران والاجهزة الطبية من معدل ضريبة شركات بنسبة (5%) لمدة تصل إلى (15) عاما. كما ستستفيد اليد العاملة الماهرة من معدل ضريبة دخل بنسبة (15%) لمدة (10) سنوات. ومن المتوقع أن تُعزّز المنطقة الاقتصادية الخاصة سلاسل التوريد، وتُخفّف من القيود المفروضة على الأراضي والقوى العاملة، وتدفع نحو زيادة الاستثمارات. وبحسب الخطط المرسومة، فإنه من المرتقب أن تجذب المنطقة (50) مشروعا في السنوات الخمس الأولى، وصولا إلى (100) مشروع بحلول عام 2035، مما يوفّر (20) ألف وظيفة للعمالة الماهرة. 

Map showing the Johor–Singapore Special Economic Zone (JS-SEZ) highlighting key areas in Johor such as Iskandar Puteri, Johor Bahru City Centre, and Pengerang, along with new priority sectors like aerospace, pharmaceuticals, and medical devices.

كازاخستان المنسيّة.. حيث جوهرة آسيا الوسطى الدفينة..  

في سياق التأكيد على رؤى كازاخستان في تعزيز بنيتها الاقتصادية، والاستفادة من مزاياها الجغرافية وسياساتها الجاذبة للمستثمرين، وترسيخ دورها كحلقة وصل حيوية في شبكات التجارة والصناعة الأوراسية، أُطلقت في منتصف عام 2025 منطقة اقتصادية خاصة جديدة في “كوركيت آتا” Korkyt Ata Special Economic Zone  في منطقة كيزيلوردا Kyzylorda. تمتد على مساحة (550) هكتارا، وتتميز بموقع استراتيجي بالقرب من ممر النقل الدولي بين أوروبا الغربية وغرب الصين، مما يُعزّز إمكانياتها التسويقية كمركز للنمو الصناعي والتجارة الإقليمية. وتهدف المنطقة إلى تعزيز الإنتاج الصناعي التنافسي، وجذب الاستثمارات المحلية والأجنبية، وتسهيل إستيراد التقنيّات المتقدمة.

Map of Kazakhstan highlighting the Kyzylorda region and major neighboring countries including Russia, China, and Uzbekistan, with the Caspian Sea to the west.

ومن المتوقع أن يُؤثّر موقعها من الوصول إلى أسواق آسيا الوسطى وخارجها. وبحلول عام 2049، من المتوقع بحسب الدراسات والإحصائيات، أن تَجذب المنطقة استثمارات تزيد عن (290) مليون دولار أمريكي. وبذات السياق، يبرز دور مركز خورغوس الدولي للتعاون الحدودي Khorgos International Center for Border Cooperation (ICBC) على طول الحدود الكازاخستانية – الصينية، الفريد من نوعه، لتسهيل التجارة عبر الحدود والمشاريع المشتركة في نظرة تكامليّة مع مبادرة استراتيجيّة الحزام الاقتصادي لطريق الحرير العالمية. وقد أُنشا المركز منذ عام 2005 بمساحة إجمالية قدرها (560) هكتارا، منها (217) هكتارا على الجانب الكازاخستاني و(343) هكتارا على الجانب الصيني. 

Front view of the Khorgos International Center for Border Cooperation on the Kazakhstan–China border, showcasing its modern architecture and trade significance.

ويُعدّ مركز  Khorgosمحورياً للتجارة بين كل من الصين وآسيا الوسطى وصولا للقارة الأوروبية. وقد شهد حجم التجارة عبره بين عامي 2022 و2024، تغيّرات جذريّة. فقد بلغ حجم التجارة عام 2022 ما يقارب (10) مليارات دولار أمريكي، بزيادة قدرها (15%) عن عام 2021. وفي عام 2023، نما بنسبة (20%) ليصل إلى (12) مليار دولار أمريكي، وبنسبة (4%) فقط ليصل إلى حوالي (12.5) مليار دولار أمريكي في عام 2024. كما بلغ حجم البضائع عبر المركز، خلال الفترة الممتدة من مطلع هذا العام إلى شهر حزيران/يونيو، (22.2) مليون طن، بزيادة قدرها (4.3%) مقارنة بالفترة نفسها من العام الماضي.

وبحسب الخبراء، وفّر المركز حتى 31/3/2025 ما يربو عن (1135) وظيفة دائمة. ومن المرتقب أن يتضاعف عدد الوظائف بحلول نهاية عام 2026 مع إطلاق مشاريع البنية التحتية المرتقبة.  

تبقى الفرصة سانحة في (الجزء الثالث) التالي، لأن نسلّط الضوء على أبرز التجارب الخليجية، قبل أن نعود إلى النموذج اللبناني – السوري، حيث يطرح مشروع المنطقة الاقتصادية المشتركة على الحدود بين البلدين أسئلة دقيقة عن جدوى التجربة بين طموحات التنمية الاقتصادية وتحديات التجاذبات السياسية والانقسامات البنيوية؟

يتبع….