حوكمة البيئة والتنمية في المنطقة الاقتصادية الخاصة في طرابلس: مدخل لتحويل التحديات إلى فرص

بعيدًا عن أي سجالات أو اعتبارات غير تنموية تطغى أحيانًا على النقاش العام حول دور المناطق الاقتصادية الخاصة في لبنان، تبرز المنطقة الاقتصادية الخاصة في طرابلس، المنشأة بموجب القانون رقم (18) لسنة 2008، بوصفها أداة أُنيط بها تحفيز قطاعات الصناعة والتجارة والتصدير وتعزيز فرص العمل في شمال لبنان. ومع افتراض – وعلى أمل- توافر إرادة فعلية لتفعيل هذا المرفق الحيوي، يبرز تساؤل استباقي جوهري : كيف يمكن إرساء حوكمة متوازنة تضمن جذب الاستثمار وتحقيق النمو الاقتصادي، وفي الوقت نفسه صون الموارد الطبيعية وحماية البيئة، ولا سيما في سياق لبناني ومحلي يواجه تحديات بيئية متفاقمة؟

يواجه لبنان واقعًا بيئيًا واقتصاديًا ضاغطًا تؤكده الأرقام المتاحة. وفي ظل غياب خطة وطنية متكاملة لإدارة النفايات، يُقدَّر إنتاج لبنان من النفايات الصلبة بنحو6,500  طن يوميًا، أي ما يقارب2.37  مليون طن سنويًا، بحسب تقديرات برنامج الأمم المتحدة الإنمائي (UNDP)

تنعكس هذه الاختلالات البنيوية بشكل أكثر وضوحًا في مدينة طرابلس التي تتجلّى فيها الإشكالية البيئية بصورة أكثر حدّة في محيط مكب النفايات المعروف إعلاميًا بـ«جبل النفايات»، حيث تشير تقارير صحفية استقصائية ودراسات بيئية عاينت الواقع ميدانيًا إلى أن ارتفاع المكب جاوز الـ 45 متراً، وأنه يختزن أكثر من 2 مليون متر مكعب من النفايات المتراكمة، وفق ما ورد في تقرير نشرته “السفير العربي” بتاريخ 28/11/2022 بعنوان «نفايات طرابلس – جبل الموت يتفكّك» . ورغم إقفال المكب من الناحية التنظيمية، إلا أنّه لا يزال يُنتج عصارة نفايات ملوِّثة تتسرّب إلى الشاطئ والبحر القريب، مهدِّدة البيئة البرية والبحرية، ليس في طرابلس فحسب، بل في شمال لبنان ككل. ويترافق هذا الواقع مع مستويات مرتفعة من التلوث الناتج عن الحرق العشوائي للنفايات، والانبعاثات الصادرة عن المركبات والمولدات الخاصة والأنشطة الصناعية، وهي ظواهر تعتبر من أبرز مصادر تدهور جودة الهواء والصحة العامة في المدن اللبنانية الساحلية، ومن بينها طرابلس.

ويكشف هذا الواقع عن فجوة واضحة بين حجم التحديات البيئية المتفاقمة وقدرة الإدارة العامة، الوطنية والمحلية، على التعامل معها بطريقة مستدامة؛ وهي فجوة لا تقتصر على ضعف التخطيط أو نقص الموارد، بل تعبّر عن فرصة غير مستثمرة لإعادة وصل التنمية الاقتصادية بحماية البيئة ضمن مقاربة حوكمة متكاملة. وفي هذا السياق، يبرز تساؤل استراتيجي ذو بعد عملي حول كيفية تمكين المنطقة الاقتصادية الخاصة في طرابلس، بواقعها القانوني والجغرافي والمؤسسي، من التحوّل من مجرد مساحة جذب للاستثمار إلى أداة فاعلة تُسهم في تقليص التحديات البيئية والاقتصادية بدلًا من مضاعفتها؟

لا شك في أنّ الإطار القانوني الناظم للمنطقة الاقتصادية الخاصة في طرابلس لا يختزلها بوصفها «مساحة استثمارية» بالمعنى الضيق، بل يؤسّس لها كهيئة عامة ذات موقع مؤسسي مستقل، اذ نصّ القانون رقم (18) لسنة 2008 على إنشاء »الهيئة العامة للمنطقة الاقتصادية الخاصة في طرابلس«، ومنحها الشخصية المعنوية والاستقلال الإداري والمالي، مع تخويلها صلاحية »القيام بجميع الأعمال والتصرفات اللازمة لتحقيق أهدافها«، بما يشمل إدارة المنطقة، وتنظيم شؤونها، وتطوير بنيتها التحتية وتشغيلها وفق قواعد خاصة. ويعكس هذا التنظيم القانوني توجّهًا واضحًا لإخراج المنطقة من منطق الإدارة التقليدية، وتمكينها من أداء دور تنموي فعّال إذا ما أُحسن تفعيل صلاحياتها وتشغيل أدواتها.

وتزداد هذه المقاربة المؤسسية قوة، عند النظر إلى الواقع الجغرافي والحيز المكاني للمنطقة. إذ منح المرسوم رقم (1791) الصادر بتاريخ 23/4/2009 للمنطقة الاقتصادية الخاصة في طرابلس ترخيصًا بإشغال واستثمار مساحة مقدارها 500,178 مترًا مربعًا، واعتبر هذه المساحة »مساحة أولية لإطلاق المنطقة الاقتصادية الخاصة، ويمكن زيادتها لاحقًا«. ولا تقتصر أهمية هذا المعطى على رقمه فحسب، بل تكمن في دلالته الوظيفية : فالمساحة الممنوحة تقع على الواجهة البحرية وملاصقة لمرفأ طرابلس، بما يضع المنطقة في موقع جغرافي-اقتصادي يسمح لها، من حيث المبدأ، بالاضطلاع بدور منصة لوجستية وصناعية وتجميعية وخدماتية ذات امتداد إقليمي، إذا ما أُدرجت ضمن رؤية تشغيلية واضحة.

وبمعيار التنمية المحلية المستدامة، فإنه من الخطأ والخطر -في آن معاً- فهم هذه الحيثية المكانية بوصفها ميزة استثمارية مجردة، بل كعنصر ضمن منظومة حضرية–بيئية متكاملة. فالمنطقة الاقتصادية الخاصة، بحكم موقعها ووظيفتها القانونية، لا يمكن إدارتها كجزيرة منفصلة عن محيطها العمراني والبيئي، بل كرافعة تنموية يجب أن تراعي تداخلها مع المدينة، ومع المرفأ، ومع الساحل والبيئة البحرية، ومع الضغوط البيئية القائمة أصلًا في طرابلس والشمال. ومن هنا، تبرز أهمية ربط تشغيل المنطقة الاقتصادية منذ الإنطلاقة الأولى باعتبارات التخطيط الحضري، وإدارة الموارد الطبيعية، والحد من الأثر البيئي، بما يحوّل ميزاتها القانونية والمكانية إلى أدوات لمعالجة جزء من الاختلالات القائمة بدل تكريسها أو تعميقها.

وهنا تبرز أهمية الإطار القانوني الناظم للمنطقة الاقتصادية الخاصة بوصفه مدخلًا عمليًا لتحويل التحديات البيئية إلى التزامات تشغيلية قابلة للتطبيق. وفي هذا السياق، يقتضي التوقّف عند قانون حماية البيئة رقم (444) الصادر في 29/7/2002، الذي كرّس، تحقيقًا لـ«الوقاية من جميع أشكال التدهور والتلوث وتعزيز الاستعمال المستدام للموارد الطبيعية»، مجموعة من المبادئ التشغيلية الحاكمة، في مقدّمها مبدأ الاحتراس، ومبدأ «الملوِّث يدفع»، ومبدأ تفادي تدهور الموارد الطبيعية، باعتبارها التزامات واجبة التطبيق على كل شخص طبيعي أو معنوي، عامًا كان أم خاصًا.

ومما لا شك فيه، أن الربط بين هذه المبادئ والأساس القانوني الذي ينظم عمل المنطقة الاقتصادية الخاصة بطرابلس، ينقلها من صفة العمومية الى خانة التطبيق الفعلي، وربما الأمثل. فالمرسوم رقم (2267) المؤرخ 15/6/2009 بشأن «تحديد شروط حماية البيئة ومتطلبات الصحة العامة في المنطقة الاقتصادية الخاصة في طرابلس» يُحمّل الهيئة صراحةً واجب السهر على حماية البيئة وضمان التزام العاملين في نطاق المنطقة بأحكام قانون حماية البيئة، وعلى وجه الخصوص مبادئه الأساسية، ويُلزمها بالتعاون مع وزارة البيئة واتخاذ تدابير الوقاية ومكافحة التلوث وتقليصه وإلزام الملوّثين بتحمل التكاليف الناجمة«.  كما يقرّر المرسوم ذاته أن الهيئة تضع «الشروط والمعايير البيئية والصحية» للمؤسسات العاملة في المنطقة بالاستناد إلى قانون حماية البيئة ومراسيمه التطبيقية.

وعليه،،،

فإن تحويل المنطقة الاقتصادية الخاصة في طرابلس إلى أداة فاعلة لتقليص التحديات البيئية والاقتصادية لا يشكّل خروجًا على الإطار القانوني القائم، بل يمثّل تفعيلًا رشيدًا لما تقرّره النصوص النافذة بالفعل، ولا سيما عند إدراج هذا الدور ضمن منظومة تقييم الأثر البيئي المعتمدة في لبنان، ولاسيما أن مرسوم أصول تقييم الأثر البيئي رقم (8633) لسنة 2012 وسّع نطاق الخضوع للتقييم ليشمل «أي تعديل أو إضافة أو توسيع لمشروع قائم إذا كان من شأنه إحداث آثار بيئية هامّة»، بما يؤكد أن الاعتبارات البيئية ليست عنصرًا لاحقًا، بل جزءًا أصيلًا من القرار الاقتصادي والتنموي.

وفي ضوء ذلك، يتبيّن أن الإشكالية المطروحة لا تكمن في تعارضٍ حتمي بين التنمية الاقتصادية وحماية البيئة، بل في كيفية إدارة هذا التلاقي الدقيق ضمن إطار قانوني ومؤسسي متوافر وقابل للتفعيل. فالمنطقة الاقتصادية الخاصة في طرابلس، بما تتمتع به من أساس قانوني مستقل، وموقع جغرافي استراتيجي، وصلاحيات تنظيمية وتشغيلية واضحة، تملك كل المقومات التي تؤهلها للانتقال من موقع التأثّر بالأزمات البيئية المحيطة إلى موقع المساهمة في معالجتها، عبر توظيف أدواتها القانونية والتشغيلية في تحويل التحديات البيئية القائمة إلى فرص استثمارية وتنموية ذات قيمة مضافة.

وفي هذا الإطار، لا يُعد إدماج البعد البيئي في نموذج تشغيل المنطقة الاقتصادية الخاصة في طرابلس قيدًا على الاستثمار أو عبئًا إضافيًا عليه، بل مدخلًا عقلانيًا لأنماط نشاط أقل تلويثًا وأكثر كفاءة، تُسهم في جعل البيئة عنصرًا منتجًا في القرار الاقتصادي لا كلفة خارجة عنه. ويترجم ذلك عمليًا بإدارة المنطقة بمنطق تشغيلي واضح يقوم على تصنيف الأنشطة وفق أثرها البيئي، واشتراط تدابير تخفيف ومراقبة قابلة للقياس، وربط الحوافز الاستثمارية داخل المنطقة بمؤشرات امتثال بيئي محددة.

ومما لا شك فيه أن هذا النهج يتيح تحويل بعض الأعباء البيئية القائمة في «الفيحاء» إلى فرص استثمارية «خضراء» ذات قيمة مضافة، في مجالات إدارة النفايات والفرز والتدوير، والطاقة الأقل تلويثًا، والخدمات اللوجستية منخفضة الانبعاث، ومراقبة نوعية الهواء والمياه، مما يُثبت أن جذب الاستثمار لا يتحقق بتخفيف المعايير، بل عبر حوكمة تُحسن الربط بين النشاط الاقتصادي وأثره البيئي، من خلال معايير تشغيل واضحة، وشراكات تنفيذية مع البلديات والجامعات والمجتمع المدني، وبرامج قياس وإفصاح دوري تعزّز الثقة وتجعلها جزءًا من معادلة الجذب الاستثماري، لا عبئًا إضافيًا عليها.