مما لا شك فيه أن الحوكمة باتت تمثل الإطار الحاكم لتصميم وتنفيذ السياسات الاقتصادية المعاصرة، إذ لم تعد تقتصر على تنظيم الأداء الإداري، بل امتدت لتشكل منظومة متكاملة تضبط العلاقة بين ثلاثية “الدولة -السوق -المجتمع”.
تزداد أهمية هذا المفهوم عند تناوله في سياق المناطق الاقتصادية الخاصة والمناطق الاقتصادية الخالصة، بالنظر إلى الطبيعة الاستثنائية لهذين النظامين، سواء من حيث الخروج الجزئي عن القواعد التنظيمية الوطنية، أو من حيث الارتباط المباشر بمنظومات القانون الدولي. ومن هذا المنطلق، فإن أيّ مقاربة جادة لهذه المناطق لا يمكن أن تنفصل عن تحليل معمّق لمنظومة الحوكمة التي تؤطرها، باعتبارها الضامن الحقيقي لتحقيق التنمية المستدامة وترسيخ السيادة الاقتصادية.
تاريخياً، نشأت المناطق الاقتصادية الخاصة كأدوات لتحفيز الاستثمار الأجنبي المباشر، عبر تقديم حوافز ضريبية وجمركية وتبسيط الإجراءات الإدارية، غير أن الأدبيات الحديثة، ولا سيما تقارير UNCTAD، تشير إلى تحوّل جوهري في فلسفة هذه المناطق، من مجرد “مناطق إعفاءات” إلى “منصات سياسات” تُستخدم لاختبار إصلاحات تنظيمية واقتصادية أوسع نطاقًا. وقد أكد تقرير الاستثمار العالمي الصادر عن الأونكتاد عام 2019 أن نجاح المناطق الاقتصادية لم يعد يقاس بحجم الحوافز، بل بقدرتها على تحقيق التكامل مع الاقتصاد الوطني، وتعزيز سلاسل القيمة، ونقل التكنولوجيا.
وعليه، فإن الحوكمة أصبحت تمثل العنصر الحاسم في الانتقال من فكرة “الجذب” إلى نموذج “التنمية المنضبطة”.
وفي هذا السياق، يقتضي التحليل الدقيق التمييز بين طبيعتين قانونيتين مختلفتين لكل نوع من نوعي المناطق الاقتصادية المذكورتين:
- فالمناطق الاقتصادية الخاصة، تخضع لسيادة الدولة الكاملة، لكنها تتمتع بنظام قانوني خاص يهدف إلى تسريع الإجراءات، وتخفيض الأعباء التنظيمية، وتعزيز بيئة الأعمال، وهو ما يفرض في المقابل ضرورة إحكام الضبط القانوني حتى لا يتحوّل هذا الاستثناء إلى منفذ للتحايل أو الإخلال بمبادئ العدالة الاقتصادية.
- أما المناطق الاقتصادية الخالصة، فإنها تقوم على أساس قانوني مغاير، يستند إلى اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار لعام 1982، التي تمنح الدولة الساحلية حقوقاً سيادية في استغلال الموارد الطبيعية ضمن نطاق محدد، دون أن ترقى هذه الحقوق إلى مستوى السيادة الكاملة. ومن ثم، فإن هذا التكييف القانوني يفرض التزامات مزدوجة، داخلية تتعلق بتنظيم الاستغلال الاقتصادي، ودولية ترتبط بحماية البيئة البحرية والتعاون مع الدول الأخرى.
وانطلاقاً من هذا التفريق، تبرز الحاجة في المناطق الاقتصادية الخالصة إلى نموذج متقدم من الحوكمة متعددة المستويات، حيث تتوزع المسؤوليات بين: المستوى الوطني، الذي يختص بسنّ التشريعات، وإنشاء الهيئات التنظيمية المستقلة، وفرض الرقابة المالية والإدارية. والمستوى الدولي، الذي يفرض الالتزام بالاتفاقيات الدولية، وتقديم التقارير، والتنسيق مع الدول المجاورة، خاصة في ما يتعلق بإدارة الموارد المشتركة.
وفي كلا النموذجين، لا يمكن تصور حوكمة فعّالة دون الارتكاز إلى مجموعة من المبادئ الجوهرية التي تشكل بنيتها الأساسية:
- الشفافية، بوصفها حجر الزاوية، لا تقتصر على الإعلان العام، بل تمتد إلى نشر العقود الاستثمارية، والإفصاح عن الحوافز، وإتاحة البيانات المالية، وهو ما تعتبره المنظمات المتخصصة أداة مركزية في مكافحة الفساد وتعزيز الثقة الاستثمارية.
- تبقى المساءلة شرطاً لازماً لضبط الأداء، من خلال الرقابة البرلمانية، وتفعيل الأجهزة الرقابية المستقلة، وإتاحة آليات الطعن القضائي والإداري بما يعزز سيادة القانون.
- في المقابل، فإن مبدأ المشاركة يكتسب أهمية خاصة، إذ يفرض إشراك المجتمعات المحلية، والمجتمع المدني، والقطاع الخاص، بما يضمن تحقيق التوازن بين الأهداف الاقتصادية والاعتبارات الاجتماعية.
- يواكب كل ذلك ضرورة تحقيق الكفاءة المؤسسّية من خلال هيئات مستقلة فعلياً، وفصل واضح بين الجهة المنظمة والمشغلة، والاعتماد على الكفاءة المهنية.
- فضلاً عن أهمية الاستقرار القانوني الذي يشكل شرطاً أساسياً لجذب الاستثمار طويل الأجل.
ورغم وضوح هذه الركائز، فإن التطبيق العملي يواجه تحديات بنيويّة معقدة، من أبرزها ضعف اندماج بعض المناطق مع الاقتصاد الوطني بما يحوّلها إلى جزر اقتصادية منفصلة، فضلاً عن المخاطر البيئية المرتبطة بالأنشطة الصناعية، والتحديات الجيوسياسية التي تبرز بشكل خاص في المناطق الخالصة، حيث قد تنشأ نزاعات بحرية تعيق استثمار الموارد.
من جانب متصل، لا يمكن إغفال البعد السياسي للحوكمة، إذ إن فعالية هذه المنظومة ترتبط ارتباطاً وثيقاً بطبيعة النظام السياسي ومستوى نضج مؤسساته. ففي البيئات التي تعاني من ضعف مؤسسي، قد تتحول المناطق الاقتصادية إلى أدوات لتوزيع الريع، أو إلى منصات لخدمة مصالح أصحاب النفوذ، بما يؤدي إلى تلاشي أهداف التنمية. ومن ثم، فإن نجاح الحوكمة يتطلب توافقاً وطنياً حول أهداف هذه المناطق، وإطاراً قانونياً محصناً ضد التسييس، وإرادة سياسية حقيقية تدعم الإصلاح.
وعلى مستوى التطبيق، تبرز الحاجة في الدول العربية إلى تطوير نماذج حوكمة أكثر صرامة، كما في حالة لبنان، حيث يتطلب تطوير المناطق الاقتصادية، سواء البرية أو البحرية، اعتماد تشريعات دقيقة، وإنشاء هيئات مستقلة، وضمان الشفافية في التعاقد، وإدارة رشيدة للعائدات النفطية، خاصة في ظل الإطار القانوني الذي أرساه قانون الموارد البترولية البحرية رقم 132/2010.
خلاصة القول، إن حوكمة المناطق الاقتصادية الخاصة والخالصة لم تعد خياراً تنظيمياً، بل ضرورة استراتيجية تفرضها طبيعة هذه المناطق الاستثنائية. فهي التي تضمن تحقيق التوازن بين الانفتاح الاقتصادي والسيادة الوطنية، وبين الجاذبية الاستثمارية والمصلحة العامة.
وبقدر ما تنجح الدول في ترسيخ مبادئ الشفافية والمساءلة والمشاركة والكفاءة والاستقرار القانوني، بقدر ما تستطيع تحويل هذه المناطق إلى أدوات حقيقية للتنمية المستدامة، وإلى ركيزة لاقتصاد وطني أكثر تنافسية وقدرة على الاندماج المتوازن في الاقتصاد العالمي.