المناطق الاقتصادية الحدودية: هل تكون...by Dr. Bilal Akl Sandid & Dr. Mahmoud El Moghrabi
المناطق الاقتصادية الحدودية: هل تكون...by Dr. Bilal Akl Sandid & Dr. Mahmoud El Moghrabi

من “جزر معزولة” إلى “نماذج محوكمة”كيف نعيد تعريف المناطق الاقتصادية في لبنان؟

أثبتت التجارب العالمية أهمية المناطق الاقتصادية كأداة تنموية، شريطة أن تُصمم بكفاءة وتُدار بحوكمة.

وفي خضم الاهتمام المتجدد بملف المناطق الاقتصادية في لبنان، بكل ما يُعلَّق عليه من آمال لتحفيز الإنتاج، وجذب الاستثمارات، وخلق فرص العمل، يبرز سؤال يستحق التوقف عنده: هل يُنظر إلى هذه المناطق باعتبارها جزءاً من مشروع إصلاح اقتصادي متكامل، أم أنها لا تزال تُعامل كمناطق منعزلة تُمنح امتيازات خاصة، وتعطى أبعاداً مناطقية وربما طائفية، من دون أن تُدمج في الدورة الاقتصادية الوطنية؟

هذا السؤال يكتسب أهمية مضاعفة في ظل الأزمة التي يعيشها لبنان، إذ لا يكمن التحدي الحقيقي في إصدار القوانين، على أهميته، بقدر ما يكمن في القدرة على تنفيذها بكفاءة واستمرارية. ومن هنا اكتسبت النقاشات التي شهدتها وزارة الاقتصاد في أيلول/سبتمبر 2025 حول تفعيل قانون المناطق الاقتصادية الخاصة أهمية خاصة، لأنها أعادت توجيه الاهتمام إلى القضية الجوهرية: كيف تتحول النصوص القانونية إلى مؤسسات قادرة على الإنجاز، لا إلى مشاريع تبقى معلقة على الورق؟

وقد خلص اللقاء التشاوري إلى توافق واسع على أن تفعيل قانون تنظيم المناطق الاقتصادية الخاصة يمكن أن يشكل إحدى الأدوات العملية لدعم التعافي الاقتصادي، شريطة التعامل معه باعتباره سياسة تنموية متكاملة، لا مجرد منظومة حوافز ضريبية وجمركية. ولذلك، أكد المشاركون ضرورة الانتقال إلى مرحلة التنفيذ، مع إعطاء الأولوية لإعادة تشغيل المنطقة الاقتصادية الخاصة في طرابلس، واستكمال الأطر التنظيمية والمؤسسية الكفيلة بضمان كفاءة الإدارة واستقرار البيئة الاستثمارية.

ركزت المناقشات على أن نجاح هذه المناطق يرتبط بإصلاح الإطار المؤسسي الحاكم لها، من خلال تعزيز الحوكمة، وتبسيط الإجراءات، وتوحيد المرجعيات الإدارية، وإعادة تفعيل الهيئات المختصة، بما يضمن سرعة اتخاذ القرار وثقة المستثمرين. وأبرز اللقاء أهمية التنسيق بين وزارة الاقتصاد ووزارة الدولة لشؤون التنمية الإدارية لتطوير البنية التشريعية والإدارية، وربط المناطق الاقتصادية بالبنية اللوجستية والمرافئ، بما يعزز قدرتها على استقطاب الاستثمارات وتحقيق أثر اقتصادي ملموس.

ينسجم هذا التوجه مع القانون رقم 18 لسنة 2008، الذي أنشأ المنطقة الاقتصادية الخاصة في طرابلس، إذ اعتمد نموذجاً يقوم على الفصل بين الوظيفة التنظيمية والرقابية التي تضطلع بها الهيئة العامة، وبين الإدارة والتشغيل اللذين يمكن إسنادهما إلى شركات متخصصة بموجب عقود محددة، وهو نموذج معمول به في العديد من التجارب الدولية لما يوفره من وضوح في المسؤوليات وتعزيز للمساءلة.

إلا أن نجاح هذا النموذج لا يتوقف على وجود النص القانوني وحده، بل على جودة تطبيقه. فالمناطق الاقتصادية في لبنان لم تدخل بعد مرحلة التشغيل الفعلي التي تسمح بتقييم أدائها، الأمر الذي يجعل المرحلة الحالية فرصة لتوفير مقومات النجاح قبل ظهور أي تعثرات، بدلاً من الاكتفاء بمعالجتها بعد وقوعها.

ومن ثم، ينبغي ألا ينحصر النقاش في موقع المنطقة أو حجم الإعفاءات الممنوحة للمستثمرين، بل أن يمتد إلى الأسئلة التي تحدد جودة الحوكمة منذ اليوم الأول: من يملك سلطة اتخاذ القرار؟ كيف تُراقب الشركة المشغلة؟ ما هي مؤشرات قياس الأداء؟ كيف تُدار المنازعات؟ وكيف تُربط الحوافز بالنتائج الاقتصادية الفعلية، لا بمجرد منح التراخيص؟

فالتجارب الدولية تؤكد أن العنصر الأكثر تأثيراً في قرار الاستثمار ليس حجم الإعفاءات وحده، وإنما استقرار الإدارة، ووضوح الإجراءات، وسرعة اتخاذ القرار، وثبات القواعد القانونية. أما الحوافز المالية، فتبقى عاملاً مكملاً لا يستطيع تعويض غياب الإدارة الرشيدة أو ضعف الحوكمة.

وتزداد أهمية هذه الاعتبارات في لبنان، حيث يواجه الاقتصاد تحديات هيكلية تتمثل في تراجع الإنتاج، واتساع العجز التجاري، وانخفاض الاستثمار، وهجرة الكفاءات. لذلك، لا يمكن للمناطق الاقتصادية أن تعمل بمعزل عن السياسات الاقتصادية والصناعية واللوجستية للدولة، بل ينبغي أن تكون جزءاً من رؤية تنموية متكاملة تعزز الإنتاج والتصدير، وتدعم اندماجها مع الاقتصاد الوطني بدلاً من تحولها إلى كيانات منفصلة عنه.

ومن هنا، تبدو الأولوية في المرحلة الحالية متمثلة في استكمال البناء المؤسسي للمناطق الاقتصادية القائمة قانوناً قبل التفكير في إنشاء مناطق جديدة. ويتطلب ذلك ترسيخ منظومة واضحة للمساءلة، واعتماد مؤشرات دقيقة لقياس الأداء، ووضع قواعد شفافة لإدارة العقود والأراضي، وربط الامتيازات بما تحققه المشروعات من استثمار وتشغيل ونقل للمعرفة وقيمة مضافة.

****

صحيحٌ أن المناطق الاقتصادية الخاصة ليست حلاً سحرياً للأزمة اللبنانية، لكنها قد تمثل إحدى الأدوات العملية القادرة على تسريع التعافي الاقتصادي إذا أُحسن تصميمها وإدارتها. فنجاحها لا يُقاس بحجم الإعفاءات التي تمنحها، بل بقدرتها على أن تكون منصات للإنتاج والتصدير والابتكار، وجسوراً لاندماج لبنان في الاقتصاد العالمي، لا مجرد ملاذات ضريبية أو «جزر امتيازات» منفصلة عن محيطها الداخلي والخارجي.

وما يعزز فرص نجاح هذا النموذج أن لبنان، رغم أزماته، لا يزال يمتلك مقومات يصعب تجاهلها، في مقدمتها موقعه الجغرافي الذي يربطه بالأسواق الأوروبية والعربية، وإمكاناته اللوجستية التي يمكن استعادتها عبر تطوير المرافئ وشبكات النقل.

وإذا اقترن ذلك بتوجيه كل منطقة نحو قطاعات إنتاجية تتلاءم مع مزاياها النسبية، كالصناعات الغذائية والدوائية والتكنولوجية، فإنها تستطيع أن تسهم في زيادة الصادرات، واستقطاب استثمارات نوعية، وخلق آلاف فرص العمل، ونقل المعرفة والتكنولوجيا، فضلاً عن تحفيز الاستثمار في البنية التحتية بما ينعكس إيجاباً على الاقتصاد الوطني والمجتمعات المحلية.

غير أن القيمة الحقيقية للمناطق الاقتصادية الخاصة قد تتجاوز بعدها الاستثماري المباشر. فإذا عوملت بما تستحق من اهتمام وتقدير، وأُديرت وفق مبادئ الحوكمة الرشيدة، واستقلالية الإدارة، والشفافية، وسرعة اتخاذ القرار، وربطت الامتيازات بالنتائج الاقتصادية الفعلية، فإنها يمكن أن تتحول إلى نموذج عملي لإصلاح الإدارة العامة في لبنان. وعندها لن تكون مجرد مناطق اقتصادية، و”جزر امتيازات” معزولة، بل منصات للإصلاح المؤسسي، تعيد بناء الثقة بالدولة، وتؤسس لاقتصاد أكثر إنتاجية وقدرة على المنافسة، وهو الرهان الحقيقي الذي ينبغي أن تقوم عليه هذه التجربة من  المنطقة الاقتصادية الخاصة بمدينة طرابلس .